السبت، 4 يونيو، 2011

يستمر الاخ الزميل الدكتور سمير حبانه بكتابة ذكرياته عن ايام الكلية الطبية.. وفي رسالته التي وصلتني البارحة يصف به ذكريات الصف الرابع بشكل جميل وذاكرة اغبطه عليها!

الصف الرابع 65-66

ابتدأت السنة الرابعة من الكلية بتغيير المسكن الذي كنا نشغله متخلصين من دكتاتورية (ام سعاد) صاحبته الدار وقمنا بأستئجار بيت لايبعد عن مدخل الكلية من جانب العيواضية الا أمتارا معدودة ويفصله مشتمل صغير عن قسم الامراض الجلدية (البجل) ومن الجانب الاخركان يجاورنا مسكن رجل مسيحي كبير السن مع عائلته واسمه (فرج شامير) وكان بيتهم في ركن الزقاق الطويل الذي يؤدي الى شارع العيواضية الاخر والذي هو باستقامة الشارع الذي نحن فيه ونسمع ليلا نباح كلب يبدو انه ضخم شرس ينبعث من داخل بيتهم وفي الركن الاخر يسكن شاب بدين انيق خفيض الصوت من اهالي الحلة واسمه (خالد كريم البياتي)مع اسرته وقد بادلني التحية والحديث قرب دكان الحاج نجم لعدة مرات ولم اكن أتصور حدوث مأساة لذلك الرجل الطيب بعد سنين قليلة (رحمه الله)

يحتوي البيت الذي سكنا فيه على غرف عديدة وحديقة داخلية ولقد سكن في الغرفة الاولى الطالب غازي سليم شابا (من دورتنا)ومعه سالم زهرون (من الدورة التي تلينا )وهما من البصرة وفي غرفة تجاورها كان الطالب تقي علي عودة (من دورتنا وكان يدرس على حساب الموانيء)وهو من القرنة اما الغرفة المقابلة فكانت ل (اسام عبد الوهاب البلداوي )وكان اخوه الاكبر عبد الرسول معلما في مدرستي (الشرقية الابتدائية) في الحلة عام 955

اما غرفتي انا وزميلي هاشم فكانت مطلة على الحديقة الكائنة وسط البيت وكنا نتشابه في الطباع والاهتمامات اما الغرفة الكائنة اعلى السلم فيشغلها الطالب (أمتحان معن جودة المعناوي)وهو من البصرة ومن دورة سالم وكلاهما من الصابئة المندائيين .

سكن في المشتمل الصغير الذي يجاورنا رجل معدم ملابسه رثة وشعره اشعث مع حول شديد في احدى عينيه ولم نكن نعرف له مهنة محددة وكانت زوجته ضئيلة نحيلة وكأنها عصا تحمل دائما على خاصرتها اليمنى طفلا صغيرا جائعا يمتص أبهامه وتحيط ساقاه بوسطها من الجانبين وكنا نستخدم هذا الجار البائس بمثابة (المنبه)اذ انه يعتلي سطح الدار في الصباح الباكر وهو يصرخ عاع ..عاع.. خاخ ..خخ..تش.. ويصفر ويدور حول نفسه ورأسه مرفوعة للاعلى وهو يطوح بذراعيه ويلوح بخرقة ممزقة بأتجاه طيوره التي تدور في حلقات عبر السماء الجميلة الزرقة أو يرمي بصغار الحصى مهددا من يتلكأ منها احيانا او من يحط تعبا على احد الاسطح ويختلس بين الحين والاخر نظرة نحوأسَرتنا ونحن نيام على السطح وكانه نابليون في معركة (اوسترليتز) متطلعا الى ان نبدي اعجابنا بما يصنع حتى يضطرنا للاستيقاظ بعد ليلة مسهدة من المذاكرة وامرنا لله وكنا نجد هذه المرأة دائما واقفة امام الدار واطفالها يحومون حولها وهي تراقب بنظرة ذاهلة يمينا وشمالا بنظرة جموع المارة الذين يراجعون معهد الامراض الجلدية او مركز الامراض الصدرية جيئة وذهابا بوجود بعض الباعة المتجولين وطلبة الكلية الذين يستخدمون هذا المدخل وعلقَت يوما على تواجدها المستمر ذاك واجابني احد زملاء السكن (يظهر انه لا طبخ ولانفخ في هذا العش الكريم)!

اما بعد انتهاء الدوام فيرين على الشارع السكون ولايكاد يمر به أحد بل ولا أطفال يلعبون وكأن المنطقة مهجورة.


كانت قاعة الصف الرابع قريبة الى جناح عمادة الكلية وكانت المحاضرة الاولى في موضوع الصحة العامة وحضر الدكتور (عبد الستار فتاح شاهين)وهو رجل في اوسط العمر كبير الرأس محني الكتفين قليلا وكان اول من حصل على الماجستير في موضوع الصحة العامة من امريكا والمعروف ان موضوع الصحة العامة بدأ مع تأسيس الكلية الطبية والمحاضرات الفعلية منذ الثلاثينات حول الوبائيات والاصحاح البيئي والاحصاء الحياتي وقد قام الدكتور عبد الستار بذكر رعاية الامومة والطفولة والتلقيحات المختلفة والطب الصناعي والامراض المهنية والصحة الريفية 00وغيرها لاضفاء صفة الشمولية على هذا القسم الذي هو رئيسه الفعلي غير ان المحاضرات كانت تقدم من قبل الدكتور (جرجيس عبد المسيح)وهو من مصر رجل اشيب الشعر والشارب ويلبس نظارة طبية غير انه لم يكن يمتلك خصائص المصريين المعروفة من الطيبة وخفة الدم وذلاقة اللسان بل انه اقرب الى ان يكون (ناشفا) بمعنى الكلمة يشرق ويغرب في مواضيع الدرس الى حد يثير الملل والضجر ولااعتقد انه كان محبوبا بأي شكل ولقد سمعنا انتقادا له من احد اساتذة القسم من ان له درجة (خبير)ويتقاضى أكثر من خمسمائة دينار شهريا ولم نستفد منه الا هذه المحاضرات (حسب قوله) وكان من الافضل ان يعمل في مركز الوزارة .

اما درس الطب العدلي فكان باللغة العربية ويقوم بتدريسه الدكتور (عبد الصاحب علش)وهو رجل بدين قصير القامة يمشي بشكل متأني يظهره وكأنه يقفز بين خطوة وأخرى ويحاول بكلامه اضفاء جانب المرح على هذا العلم الموحش الا ان محاضراته كانت ممتازة وتغني عن معلومات كتاب مطبوع ويذكر الوجيه البغدادي (ناجي جواد الساعاتي )في مذكراته انه كان زميلا للاخوين (علش)في الدراسة الابتدائية وفي المدرسة الجعفرية وان صاحب كان من الاوائل باستمرار وعن استحقاق وقد علمنا ان الفضل في انشاء معهد الطب العدلي هو للاستاذ احمد عزت القيسي بالاضافة الى المختبر الملحق به والمتحف والاشعة والمكتبة الصغيرة ومن الاساتذة الاخرين الدكتور (وصفي محمد علي ) وللاسف لم نتتلمذ على ايديهما بسبب التقاعد.

كان هناك تدريب عملي بالنسبة للصحة العامة ويتضمن زيارة الطلبة على شكل مجموعات الى محطات مهمة مثل الفرن الرباعي ومشروع تصفية المياه الثقيلة واحد معامل الاسمنت ومعمل البسكولاتة والبان ابو غريب وغيرها والذهاب يتم بسيارة كبيرة وكان الدكتور (سعدون خليفة التكريتي )هوالمدرس المكلف بمصاحبتنا ولربما ابدى ملاحظة هنا وكلمة هناك غير انه لم يكن ضمن الاساتذة المحاضرين وقد تعودنا أن يأتي معنا الطالب (حميد بهمن) والذي يقوم بالجلوس في المقعد الاخير ويأخذ بالغناء بصوت جميل اغاني خفيفة مختلفة وكنت استمع اليه بشكل محايد في ذلك الوقت الذي تزايد فيه ولعي واعجابي بالقمم الشامخة للسيدة أم كلثوم مثل (رق الحبيب وهجرتك وشمس الاصيل) والروائع الخالدة للموسيقار محمد عبد الوهاب مثل (الروابي الخضر وهمسة حائرة وجبل التوباد) في وقت لم يكن هناك فيه اجهزة تسجيل بل كان المصدر الوحيد لسماعها هو جهاز الراديو وباوقات محدودة خارج المذاكرة وان تزامنت معه فتترك المذاكرة طبعا الا انني كنت مدركا بأن اختلاف الاذواق مسألة طبيعية وانه لو انطلق راديو السيارة في تلك اللحظة بأحداها (وهو شييء مستحيل) لتذمر الكثيرون وطلبوا اغلاقه بينما يمكن لهم ان يستمعوا بطرب الى(ياطيرة طيري يحمامة ..عالا دلعونا وعالا دلعونا.. هيك مشق الزعرورة)وبعضهم يصفق والاخر يختلس النظرات الى زميلاتنا على استحياء وعندها أتسائل مع نفسي من هو المخطيء واهون المسالة بتنوع وتباين الاحساسات عند الانسان من غير وجود مخطيءهناك وحينها نكون قد وصلنا نهاية الرحلة ويسكت حميد عن الغناء ولكنه كان يعيد تلك الاغاني بعينها في كل جولة مما دفع الطالب (رياض عبد الرزاق العزاوي )الى ان يعلق بلثغته الرائية اللطيفة راجيا من حميد تغيير الموجة التي يوجه منها برامجه الاذاعية!

اما التدريب العملي في موضوع الطب العدلي فكان يتم في المعهد قرب العمادة القديمة في بناء كالح موحش قديم وهناك صالة تشريح فيها صفوف تتصاعد الى الاعلى من المصاطب الخشبية لجلوس الطلبة وتميز المكان رائحة لم تكن مقبولة ابدا بسبب طبيعة المكان!

وحين ذهبت لاول مرة الى هناك كانت الطالبة (سيتا ميساكيان) تسير امامي بخطى مترددة ويبدو انها فوجئت برؤية (وقعة دهس)مفزعة لمتوفي اسمه حبيب ميركه لدركه مما جعلها تطلق صرخة خافتة مرعوبة الا انها التفتت فرأتني ولمحت بعض الطلبة جالسين هناك فسكن روعها ودخلنا واخذنا مكاننا بينهم ودخل الدكتور (لويس شمعان)وهو رجل اشيب الشعر نحيف القوام وكان المسؤول عن التدريب العملي ويقوم بتقديم شرح مفصل عن الحالة الموجودة ويساعده عامل يرينا بعض الادلة الجنائية من المقذوفات النارية او مسببات الوفاة او الاثار التي تستحق المشاهدة وكان يقوم بذلك بتظاهر وشموخ يثيران الابتسام 0 وللمرة الثانية بعد الاناتومي يعاودني الشعور بأن هذه ألات او نماذج صنعت لغرض الدراسة والبحث رغم مشهد الالم والعنف الذي كان يصاحب اكثرها وبعضها يثير الاسى مثل واقعة طفلة اسمها (أفنان ماجد عبد الحليم) غرقت او أغرقت على يد خادمة البيت وكانت الصحف قد تناولت القضية في حينه بالكثير من التفاصيل..

كان يحضر معنا طالب اسمه (فارس متي فرنكول) وهو من الذين تخلفوا ليصبحوا ضمن دورتنا وكنت الاحظ انه يقوم باطلاق بعض الملاحظات التي يقصد منها اثارة الضحك عن طريق التورية الكلامية او بتعليقات تقاطع كلام الدكتور لويس غير ان هذا كان يتحاشى الانجرار وراء تلك المداخلات ويظهر وكأنه لم يسمع سماجة بعضها بل يتحول (ولربما بذكاء) الى جانب مغاير في القضية التي هو بصدد شرحها من غير ان يعير انتباها الى مايقوله (فارس)!

اطلعنا في زيارات اخرى على متحف القسم من الات جارحة ومبرزات جنائية من الملابس وحافظات زجاجية تضم جماجم مصابة بكسور او اطلاقات نارية والعديد من الصور لمختلف وقعات الطب العدلي.

تكهرب الوضع السياسي في منتصف ايلول من تلك السنة وسمعنا عن انقلاب فاشل (ولربما لم يحدث اصلا)من قبل رئيس الوزراء عارف عبد الرزاق والذي كان واحدا من ثلاثة يشكلون المجلس الرئاسي وهو بنفس الوقت وزير الدفاع وقائد القوة الجوية وبعدها هرب المشتركون به الى القاهرة ولقد ارسل الدكتور عبد اللطيف البدري (وكان يشغل منصب وزير الصحة)الى المغرب لابلاغ الرئيس عارف الموجود هناك للاشتراك في مؤتمر القمة العربي وتداول الناس الحديث حول قيام (الرئيس)عندها بشتم القائمين بذلك العمل بشكل مقذع ومعهم رائد القومية العربية الذي حرضهم بينما قالت الرواية الرسمية انه حينما سمع ان القاهرة رفضت استقبالهم بعد فرارهم (وهو غير صحيح لانها قبلتهم فعلا)علق بقوله (لا خطية ..وين يروحون؟) وانني لأعتقد انه يمكن ان يقول هذا وذاك وخلاف كل ماقيل بسبب شخصيته غير المتزنة والمتهورة وافتقاره للنضج السياسي ولقد غاب الموضوع عن ساحة الواقع بفترة قصيرة وانتخب الاخ الشقيق عبد الرحمن عارف لرئاسة الجمهورية وظل عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزراء.

كان الطالب (غازي سليم شابا) يلازم غرفته لفترات طويلة وهو يذاكر ولم يكن يميل الى الترفيه بأي شكل كان أما (اسام البلداوي) فأنه ينام لفترةقصيرة ظهرا ويجلس بعدها لكي يقرأ وهو يسعل سعالا رطبا في الوقت الذي نذهب فيه للنوم وأخبرني يوما انه اصيب في صغره بالاكياس المائية في الرئة وانه لايزال يلاحظ مادة تشبه شغاف حبات العنب تخرج مع القشع وهو ما كان مذكورا في الكتب الطبية عن هذه الحالة فعلا وكان من عادته ان يحوم حولنا (أنا وهاشم) عندما نبدأ متثاقلين بالقراءة في الحديقة وسط الدار عصرا ويتطلع الى مانروم قرائته فعلا وبعد ان يلاحظ ما أنا عازم على مراجعته يطلق مثلا عبارة استخفاف بقوله (يمعود اني هاي قاريها!)ثم يدور باتجاه هاشم وينظر الى موضوعه وربما قال ( هذي متجي بالامتحان) وبعد فترة يدمدم متأففا(اشو أني ضجت! راح اروح للكاظم!)ويلبس ملابسه بسرعة وهو يسعل ويفتح بابا ويغلق أخرى ثم يغادر الى الباب المعظم لكي يستقل مصلحة نقل الركاب الى ضاحية الكاظمية وطبعا يكون قد اخذ ملخصات مكتوبة على قصاصات صغيرة من الورق لكي يقرأها في الطريق عند الذهاب وكذلك في العودة بعد ان يقضي بعض الوقت مع اصدقاء له هناك في سوق الاسترابادي ويطل علينا منتعشا وهو يقول(يلله يابه.. ماجعتو؟) وعندها نغلق كتبنا وكأننا كنا ننتظر تلك الحجة لكي نضَيع الوقت في تناول وجبة وثرثرة وكنا نمازحه احيانا بتسميته (اسامة البدَاوي) باضافة تاء وحذف لام فيثور قائلا (ولكم أسام مو اسامة! وبلداوي مو بداوّي! ) ويكمل (البداوي من البدو اللي يلبسون ملابس ثقيلة في الصيف وريحتهم تلعب النفس) وهو ماكنا نقصده مناكفة اصلا ويكمل وهو منفعل اشد الانفعال وبكل جدية (متگلولي شلون انقبلتوا بالطبية ؟) ونغرق عندها بالضحك قائلين.. ماعلاقة هذا بذاك؟

اما (تقي الموسوي) فقد يكون اذكانا وكان يستوعب المادة الدراسية بفهم وبسرعة ويستخلص الحروف الاولى من أي موضوع به نقاط متعددة لكي يشكل منها كلمة (ولربما كلمات )لكي لا تغيب عنه واحدة من تلك النقاط الا انه يحدث أحيانا ان ينسى الكلمة (المشفرة )نفسها او تختلط تلك الكلمات ببعضها مثيرا ضحكنا وتندرنا عليه واحيانا تكون تلك الكلمات نابية بشكل واضح الا انه لايهم (حسب رأيه! )والمهم حفظ النقاط المذكورة جميعا وكان تقي سمح النفس جدا وحين نلجأ اليه لاستيضاح أمر ما (ولو كان ذلك ليلة الامتحان ) فانه يزيح كتبه ودفاتره على الفور ولايترك مسائله الا وقد تيقن من استيعابه للمسألة تماما والحقيقة فأن غالبية الطلبة يكونون في منتهى الانانية في الدراسة!.. مايعرفه احدهم لايعلَمه لغيره ويحاول مقابل ذلك جاهدا ان يطلع على مايعرفه الغير وللعلم طبعا كانت مخصصات الدراسة على حساب الموانيء جيدة جدا مما يجعل من (تقي) ابو البيت الحقيقي الذي يسلف المفلسين منا بكل رحابة صدر ويستردها في نهاية الشهر ليعيد تسليفنا اياها بكل كرم وهو يطلق الضحكات من اعماق قلبه على اولئك المتاعيس!

اما الطالب (امتحان) فكان يشاركنا انا وهاشم في مسائل الترفيه بالذهاب الى دور السينما وحضور المسرحيات والمعارض الفنية والتسكع هنا وهناك ويوما كنا في زيارة الى قاعة لعرض لوحات رسم لاحدى الفنانات (واعتقد انه كان يعرفها من بعيد لانه الح على زيارة المعرض) وعند تجوالنا بين المعروضات تركنا زميلنا مزهوا لكي يسلم عليها ويجد سببا للتحدث معها بسؤالها عن بعض الرسومات وانطلقت هي تشرح له بعبارات متشنجة ومقعرة ماكانت تعتبره تفسيرا لرؤياها الخاصة بالنسبة لهذا وذاك من الامور (و حسب رأي استاذ اللغة العربية في الثانوية نعمة رحيم العزاوي.. غموض لاينطوي على شيء!) وتكثر من الاشارة بيديها الى أجزاء من اللوحة لم يكن يبدو انها تعبرعن مفهوم ما وفي تلك الاثناء كان هو يحدق بانتباه الى اللوحة متخذا سيماء التفكير بما كانت تقوله الا أنها التفتت الى شخص كان برفقتها رَث الثياب واقرب مايكون الى الهيبيز (من الذين يتسكعون في معارض الرسم)معلقة وهي تشير الى زميلنا المسكين الذي كان لايزال ساهماً (مبيَن عليه ما أفتهَم) مع ابتسامة لزجة لاتوحي بكثير من الادب وعندها سحبناه وغادرنا القاعة مباشرة وانهلنا على تلك الصفيقة السمجة بقارص الكلام لاعنين سنسفيل اجداد جميع الرسامين التوافه (امثالها ) من الذين يتوسلون بدور العرض لقبول ذلك الغث من الخربشة على قماش كان يمكن استخدامه لاغراض اخرى ولاعنين اجداد من يضيع وقته برؤية هذه السخافات(عدانا طبعا)والا هل كانت تتصور انها برسومها تلك كانت تقترب من (لاعبة الماندولين لپيكاسو )او (الزرافة المشتعلة لسلفادور دالي ) او( الجيرونيكا ) او (افطار على العشب) لمانييه وهكذا اخذنا نستعرض معارفنا الفنية لكي نثبت على البعد ما منعتنا اخلاقنا من اظهارها..



واقترح زميلنا هاشم ان نذهب الى المركز الثقافي السوڤيتي حيث يوجد لديهم جهاز سينما صغير وعرفنا هناك ان الفلم الذي سيعرض تلك الليلة هو (المدرعة بوتمكين )وهو للمخرج العظيم سيرجي ايزنشتاين وكنت اعرف ان الكاتب العالمي جورج سادول يعتبره واحدا من اهم عشرة افلام في تاريخ السينما المعاصرة ضمن كتابه والذي كنت اتابع صدور اجزاؤه الستة بغية اقتنائها (كان لدي اربعة منها وقته)وكانت مناسبة مفرحة لنا بعد الاحباط الذي عاناه زميلنا على يد تلك الرسامة الحمقاء واستلمنا هناك بطاقات الدخول المجانية من مدير المركز واسمه(عادل)وهو رجل انيق وسيم وفي غاية الادب غير انه كان يتفرس في الوجوه بدقة قبل تسليمها ثم دخلنا قاعة تستوعب حوالي الثلاثين شخصا وتم تقديم استعراض للعديد من افلام ايزنشتاين واكثرها شهرة وهو (ايفان الرهيب) ثم شرح موجز للفلم الذي سيتم عرضه والمبني على الحوادث الحقيقية التي جرت في ميناء اوديسا في نهاية القرن الماضي وبعدها عرض الفلم المذكور وحلقنا مع ذلك الفن العظيم وخرجنا بعد ان شكرنا الاستاذ عادل وعدنا سيرا على الاقدام الى العيواضية ونحن نقارن فضائل الاشتراكية بمساويء الرسمالية وذلك لان معرض الرسم كان على قاعة المركز الثقافي الفرنسي.

استمر اعطائنا محاضرات الدروس الاساسية (الباطنية والجراحة)واضيف اليها درس النسائية والتوليد وكانت المحاضرة الاولى هي للدكتورة (انه ستيان )وهي استاذة ارمنية الاصل كبيرة السن تتكلم بصوت رفيع كالصفير عن اوليات علم التوليد وتستعين بنموذج بلاستيكي للحوض النسائي ونموذج اخر يمثل طفلا صغيرا على شكل لعبة وتشرح ادوار عملية الولادة وهي تضع تلك اللعبة الصغيرة في الحوض وتخرجها بالوضع الطبيعي او المقلوب او المستعرض وعندها همس طالب بجانبي بالله عليك هل ان خروج هذه اللعابة(وكان ذلك قد تم بسرعة بالغة )يستوجب علما بهذا الحجم؟


[ الصورة لفيف من الطلبة مع الاستاذ كمال السامرائي وقيس كبة و انا سيتيان ومركريت شكري وليلى العطية.. الصورة من ارشيف الدكتور سعد الفتال مع الشكر]

اما الاستاذ (قيس كبة )وهو رجل طويل القامة نحيف البنية شعر رأسه خفيف ويلبس نظارة طبية بيضاء ويتحدث بشكل سريع وبنبرة من الانف فكانت محاضراته غنية بالمادة العلمية ومرتبة بشكل جيد عن الامراض النسائية واستكمالا للعلم (الامراض النسائية والتوليد)كنا نذهب الى قاووش 10و11حيث يتم تقديم احدى الحالات المرضية الراقدة هناك وتقوم بتدريسنا هناك الدكتورة هانئة الخوجة (وهي زوجة الدكتور عبد الكريم هاني)او الدكتورة عفاف الجبوري (زوجة الدكتور سرمد خوندة)وكانت المقيمات القدميات الدكتورة زاهدة السعدي والدكتورة ملكة الساعاتي وهن في منتهى اللطف والمعاملة الحسنة مع الطلبة والتي تصل احيانا الى اطلاق نكات من خلال العمل يمكن وصفها بالادب المكشوف مما يثير ضحك الطلبة وخجل الطالبات وكان يتم انتخاب حالة من الحالات المرضية الراقدة هناك وعرضها بشكل مفصل ومراقبة بعض حالات الولادة الطبيعية مع اسئلة للطلبة لغرض اختبار معلوماتهم واغنائهم بالكثير مما لايعرفونه عنها وهناك تعلمت للمرة الاولى زرق الابر العضلية عن طريق ممرضة جميلة الشكل هادئة الطباع اسمها (مليكة )وكانت تراقب ادائنا بدقة وتعطي توجيها ما اذا استوجب الا انني لاحظت عليها الاستياء في احد الايام وعرفت ان السبب هو الطالب وفي دانيال رومايا حيث كان يدندن بشكل مسموع نشيدا كان يردده قديما طلاب الابتدائية وهو:

مليكنا .. مليكنا نفديك بالارواح .. عش سالماً.. عش غانماً..

والتورية واضحة بالاسم وقمنا بتطييب خاطر تلك الفتاة طالبين من وفي ان ينشد في المرة القادمة احدى اغاني العهد الجمهوري عندما تتملكه حماسة الغناء!

كانت قواويش المستشفى الجمهوري تشغل بنايتين غير متشابهتين تقابل احداهما الاخرى بدون تناسق ولا نظام والبناية التي على اليسار بعد الدخول من الباب الرئيسية مقابل وزارة الدفاع هي عبارة عن ممر طويل وبه قوواويش متجاورة بالعرض تبدا من الاول والثاني للباطنية والثالث للامراض العصبية ثم الرابع للجراحة البولية والخامس لجراحة العظام والكسور والنصف الثاني بعد باب المدخل الرئيسي يضم البقية التابعة للباطنية من السادس وحتى التاسع ثم النسائية والتوليد بقاعتين وملحق بهما صالة ولادة صغيرة وبعض الغرف الادارية.

وكانت كل تلك القواويش تبدأ بمدخل قصير به غرفتان متناظرتان للطبيب وللضماد وبعدها قاعة طويلة بها اسرة متقابلة للمرضى ويجاور كل سرير دولاب صغير لحفظ الحاجات وطبلة معدنية عليها چارت الحرارة وفي الوسط منضدة طويلة للاغراض الكتابية وفي النهاية تقع الحمامات والمغاسل.

اما البناية التي على اليمين فكان الدخول اليها من جانبين متعاكسين عبر الابواب الزجاجية الى كل من قاووش 12و13 اللذين مر ذكرهما ومن الجانب الاخر قاووش 14و 15 ويرتبط كلاها بصالات العمليات ذات خطوط المنع الحمراء والتي تحتوي على شرفات بها حاجز زجاجي لكي يراقب منه الطلبة مايجري في الصالة ولو انهم لم يكونوا ليروا الا زملائهم الذين سمح لهم بالدخول وايديهم مربوطة الى الخلف برباط قماشي حسب اوامر الدكتور خالد ناجي الى مقيميه (زياد او حسيب السامرائي)والذي فسرها (وهو يضحك) بأنها لضمان عدم لمسهم لشيء هناك وفي الطابق الاعلى قواويش جراحة العيون وكذلك الانف والاذن والحنجرة وبالارقام (16و17 و18) ثم الجراحية (19 و20) وكلها لا تختلف في التفاصيل المذكورة في القواويش الاخرى.

[الاستاذ محمود الجليلي.. من ارشيف الدكتور سعد الفتال]

ابتدأت محاضرات الطب الباطني مع الدكتور محمود الجليلي رئيس قسم الطب الباطني وهو خريج 943وكان الطلبة يلبسون صداريهم البيضاء ويجلسون ساكتين تماما وعيونهم لاترتفع عن دفاترهم الا خلسة ولفترة قصيرة في حضوره وكان رجلا متوسط القامة شعره الكثيف اشيب مفروق وشاربه ابيض وملابسه من الطراز الانكليزي مع حذاء بني ضخم وكان يتميز بتكشيرة ترتسم على وجهه وتظهر اسنانه بوضوح وكأنه يبتسم والواقع انه ليس كذلك حتي لقد قيل يوما ان احد الطلبة كان يبادل الاستاذ الابتسامات ردا على مايتصوره موافقة على اجاباته الا ان الاستاذ الجليلي فاجأه قائلا (ابني انت لويش داتضحك؟ انت لازم تبكي على حالك!) وكان من عادته ان يحضر معه سجلا باسماء الطلبة ويلقي نظرة بين الحين والاخر على صفحاته لاختيار احدهم وعندها تدق قلوب الجميع حتى يقف الطالب الذي تمت قراءة اسمه والعرق البارد يغمره وريقه ناشف متوقعا أن يسأل عن شيء لن يعرفه ويضطر الى الجلوس خجلا امام زملائه وزميلاته ورغم ذلك كله فقد كانت محاضرات الاستاذ الجليلي رائعة بكل معنى الكلمة ومتكاملة في موضوع امراض القلب والاوعية الدموية ولقد اتيح لي يوما ان اراجع محاضرة له عن الحمى الروماتزمية بعد اكثر من خمسة عشر عاما على كتابتي اياها ووجدت انها كانت مستوفية لكل ماذكرته الكتب الطبية المعتمدة بدون أي نقصان لا بل كانت تلك المحاضرة افضل ترتيبا واسهل حفظا.

اذكر يوما انه دخل القاعة ورفع نظره يتصفح الوجوه وخلال الدقيقة الاولى أشار باصبعه نحوي (رغم انني لم اكن في موضع بارز من بين المائة والسبعين طالبا لاضمن خطوط الطول ولا العرض)ووقفت بدون تردد اذ لافائدة من تصور ان المقصود هو امامي او خلفي وسألني مباشرة ماهي اعراض توسع الصمام الابهر ؟ وكنت قد راجعتها قبل دقائق غير أنها تبخرت من ذاكرتي فورا الا واحدة قلتها بشكل مبتسر وتعثرت بالتي بعدها وانتقل هو الى طالب أخر لم يكن افضل مني وكذلك ثالث وعندها منحنا استاذنا مدحا واضح الاستهانةوهو يقول (انتم الثلاثة عندكم اختراعات جديدة في الطب) وعندما جلست همس زميلي:

اذا نظرت نيوب الليث بارزة فلا تظنن ان الليث يبتسم!

كما اذكر يوما ان محاضرته كانت في الساعة الثانية ظهرا وكان جميع الطلبة جالسين في القاعة الا أنهم اخذوا يتركون اماكنهم وخاصة اولئك الذين كانوا في الصفوف العليا بعد مرور الدقائق العشر الاولى وعدم حضوره ونزل بعضهم السلم ووصلوا الى الساحة الداخلية ومن ثم الباب الخارجي واخذوا يتمشون هناك ويحاول بعضهم حث الاخرين على المغادرة بحجة ان الاستاذ لن يجيء مخترعين حجة من هنا وسببا من هناك واذا به يظهر فجأة من زاوية قاعة الصف الاول ماشيا بخطوات سريعة اقرب الى الركض او القفز وهو يطوح بذراعيه خارج جسمه بقوة(وهي طريقته في السير) وكان الدكتور زهير قصير يحث الخطى خلفه وفورا اخذت جموع الطلبة التي لمحته تهرول عائدة بتعثروتدافع بل ان الطالب البدين (عبد السلام عبد النور ) صاح بصوت عال وهو يستدير للخلف ( يايابه..) مما اثارضحكا وسعالا لدى الراكضين من زملائه وكاد احد الطلبة أن يسقط من على السَلم في تعجله ثم استقر الجميع في اماكنهم بهرجلة ومن غير ترتيب ودخل الاستاذ الجليلي القاعة ومن سوء الحظ كان دخول الطالب (وميض نافع القزاز)بعده وهو يشير الى زميل له لغرض النزول الى مقعد محجوز في الصفوف الاولى ولمحه الاستاذ الجليلي فصاح به قائلا بانفعال وهو يشير اليه بيده (تعال! تعال ! انت أيش أسمك ؟)ولما أجابه هذا بخوف طلب منه ترك القاعة بعد ان أشر اسمه في السجل وهو ماأستجاب له وميض من غير اعتراض!

كان معروفا عند الطلبة ان الاستاذ الجليلي بحكم كونه موصليا يستعمل كلمة (بقى )كثيرا غير انني واقعا لم اسمعه يرددها ولامرة واحدة الا ان روح المرح كانت تظهر عنده في احوال نادرة حيث كان يشرح لنا يوما مسالة ال(tempo)

وذكر انها قضية نسبية تماما فيما يتعلق بالمزاج حيث وكما قال (انني حينما اهجكم ..تاكلوها وتسكتون.. بس لو واحد أخر يسويها بعد ماتطلعون بباب المعظم چان كسرتوا ضلوعه) وانطلق الجميع بالضحك ومنحنا الاستاذ تفضلا ابتسامة خفيفة!

[حاشية : كانت عيادة استاذنا في شارع الرشيد في مدخل زقاق قرب منطقة حافظ القاضي واللوحة الخاصة به تقول الدكتور (محمود الجليلي MRCP ) فقط وكان أول من حصل على تلك الشهادة في العراق وكان معروفا ايضا باعتداده بنفسه وبعلمه ولقد كنا يوما معه في غرفته في قاووش 6 حين حضر طالب من المرحلة الاخيرة ويبدو انه كان مكملا وسلم على الاستاذ الجليلي باحترام وقدم له بوَجل رسالة طالعها الاستاذ بسرعة ولم يبال بما هو مكتوب بل قال للطالب (ابني سلم لي على رئيس الوزراء..اشوفك بعد ستة اشهر ) وهي فترة امتحان الاكمال والقى الرسالة في احد المجرات وكان المرسل رئيس الوزراء طاهر يحيى نفسه!.

كان لي صديق اسمه (سهيل) يعمل في شركة التامين الوطنية واخبرني انه لاحظ في احد الايام الاستاذ الجليلي ضمن طابور يقف انتظارا لاستكمال اجراأت معينة وعندها ترك سهيل محله واقترب من الاستاذ طالبا منه المعاملة لغرض اكمالها واشفع كلامه بكلمة (دكتور)الا ان الاستاذ الجليلي بادره قائلا (ابني انت امنين تعرفني؟)وعندما اوضح له سهيل ان لديه اصدقاء هم تلاميذ الاستاذ في الكلية الطبية رد عليه الاستاذ ابني اشكرك واشكر اصدقائك الا انني سأظل هنا لحين مجيء دوري!.

ترك الاستاذ الجليلي كلية طب بغداد في اخر سنة لنا في الكلية واصبح رئيسا لجامعة الموصل وعميدا لكلية الطب هناك وكان يشغل موقعه بجدارة حتى اتصل به يوما رئيس الجمهورية (البكر) طالبا منه مساعدة طالب اسمه (عبد الحميد الصائغ)ومنحه درجة النجاح فرفض الاستاذ الجليلي قائلا ان مستوى هذا الطالب لا يؤهله للنجاح وعندما قال البكر انهم يرومون الاستفادة من عمله في الحزب وانه لن يعمل كطبيب جدد الجليلي رفضه وقال يمكن له ان يكون وزيرا ولكنني لن اخرجه طبيبا وعندها صدر امر بتشكيل مجلس اعلى للجامعات يرأسه رئيس الجمهورية لغرض المصادقة على تخريج ذلك الطالب وكرر الجليلي رفضه توقيع ذلك و هنا صدر امر اعفاء الاستاذ الجليلي من مناصبه وتعيينه عميدا لكلية الطب البيطري ؟وعندها انفك الاستاذ العظيم من العمل الوظيفي فورا وانزوى في بيته ولعل ذلك يفسر رفضه ادراج اسمه وصورته ضمن موسوعة اعلام الطب العراقي الحديث وقوله لمدونها ( هذا ليس هو الطب الذي اعرفه ) وللعلم فهو عضو اتحاد المؤرخين العرب.

اتيح لي في التسعينات ان اقدم خدمة الى طبيبة اسمها (وطفاء الجليلي)من خلال مركزي في دائرة صحة بابل وتقديرا مني لاستاذي حينما علمت انها ابنة اخيه (وقد اخبرتها بذلك)وفي صبيحة احد الايام كنت في شارع الرشيد اروم الذهاب الى مخزن (ألياس حسو)والذي كنت اذهب اليه دائما لاعتزازي (بأبي نعمت) كشخصية وثقافة وكان يدير مع اخويه جورج ومنير ذلك المحل المليء بالبضاعة الاجنبية الجيدة والتحفيات وألياس هو الشقيق الاكبر للدكتور لبيب حسو الجراح المعروف .. وقرب ابراج الاتصالات اذا بي أفاجا بالاستاذ الجليلي قادما من الجانب الاخر واندفعت نحوه بعفوية تامة (قل ان صدرت مني) للسلام عليه وتقديم نفسي كتلميذ لاستاذه ورحب بي بدهشة قليلة وذكرت له فرحي عند تعرفي على الدكتورة ابنة اخيه وعندها قال وقد فهم المسألة (نعم .. وطفاء ! لقد اخبرتني وانا اشكرك) فأخبرته بأنني انا الذي أشكره على سماحه لي بالتحدث معه وان مما يشرفني ان اكون احد طلبته في الستينات ودعوت له بالصحة والعافية وطول العمر وصافحني ممتنا حسبما أعتقد وسار في طريقه بنفس الخطوات النشطة وتطويح ذراعيه تاركا اياي والسعادة تغمرني بلقاء استاذي العظيم وكانت هذه اخر مرة اراه فيها.

اعطانا الاستاذ محمود ثامر محاضرة واحدة عن عجز الكلى الحاد وكنت اعرف شقيقه الدكتور احمد ثامر الذي كان صديقا لوالدي في الديوانية وله شقيق اخر هو الدكتور حسن ثامر وكان رئيسا لمجلس الوحدة الاقتصادية في القاهرة والدكتور محمود قصير القامة اسود الشعر يلبس نظارة طبية بيضاء وعلمه غزير بموضوع الكلى ويتحدث بلكنة امريكية (حيث ان شهادة الاختصاص التي حصل عليها هي من هناك)وقام بتسمية مريضته(فاطمة علي )وقدم مجموعة الاعراض التي تعاني منها ثم معلومات عن الفحص السريري والمختبريثم الشعاعي والتشخيص التفريقي واخيرا العلاج وبضمنه الغذاء والتصور المستقبلي لها كل ذلك بشكل جميل وعملي تماما ًً.


كانت المحاضرات الخاصة بمرض التدرن من حصة الدكتور (سالم الدملوجي) وهو من خريجي عام 946 (مع الدكتور خالد القصاب وحسين الاورفلي وسلمان تاج الدين وعزيز محمود شكري ) وكان يتميز بقامة منتصبة رغم قصره ووجه شديد الحمرة وصوت منغم واضح وهو يتحدث لناعن بدايات مرض التدرن وماذا كانت مسمياته واعراضه وذكر ان (سلمان واكسمان )الذي اكتشف الستربتومايسين في الاربعينات كان له الدور الكبير في شفاء الالاف من المرضى بذلك الداء الوبيل وانطلق يشرح وبائية عصيات كوخ والاثارالتي تحدثها والانواع المالوفة من المرض والعدوى وانواع الادوية المستخدمة في العلاج ودور الجراحة ولقاح ال(بي سي جي)وحتى الاثار النفسية للمرض وغير ذلك من الامور تغطية للموضوع الواسع والمتشعب وفي وقتها كانت هناك مستشفيات خاصة لمرضى التدرن في اغلب المدن الكبيرة ولقد علق زميل كان يجلس بجانبي بانفعال واضح (والله هذا ابو داوود.. وردة!) وعندما سالته مندهشا ومن هذا؟اجابني طبعاً (سلمان واكسمان..ابو داوود) مو خابصينا بالكسندر فلمنج مكتشف البنسلين ..هذا ميفيد اهل التدرن!

لاستاذ فرحان باقر, الاستاذ فؤاد حسن غالي, رئيس الجمهورية احمدحسن البكر, وزير الصحة عزة مصطفى.. من ارشيف الدكتور سعد الفتال]

كان للدكتور( فرحان باقر) حضور قوي باناقته ووسامته ببشرة بيضاء مشوبة بالحمرة وشعر اصفر مسرَح واعتداد بالنفس واضح في مشيته بتؤدة وهو يلقي محاضراته عن امراض الصدر المختلفة وبشكل يوحي بانه متذمر قليلا من شيء لم يكن يعرفه الطلبة الا انه كان رجلا فاضلا وعادلا في خلقه الطبي وسلوكه تجاه مرضاه حيث يحرص على معرفة

اسم كل منهم ويناديه عندما يصل اليه قائلا شلونك سيد فلان ؟ويستمع اليه بصبر ويناقش الحالة مع مقيميه ويقترح الاجراأت التشخيصية والعلاجية ثم نوع الغذاء ويودعه بعدها بابتسامة عريضة متمنيا له العافية وذكر لنا يوما انه يقرأ كتاب((clinicalmethods مرة كل سنة لعظم فائدته في الممارسة الطبية السليمة والواقع ان هذا الكتاب رائع بكل معنى الكلمة!

كنت يوما اذكر طريقة الدكتور فرحان هذه مع مرضاه الى زميلي عبد المهدي العطار (وهو خريج الموصل)فقال لي ان الدكتور هاشم عبد الرحمن كان يوما يطبق نفس الشيء مع مريض له مصاب بضغط الدم ولقد سأله المريض بعد انتهاءالفحص قائلا(دكتور اني شأاكل)فرد عليه الدكتور هاشم بلطف (ابني تأكل كذا .. وكذا.. ) وكان مع المريض شاب نزق بصفة مرافق له واحب ان يتفاكه بحضور الطالبات فقال(دكتور واني شأاكل ؟)فرد عليه الدكتور هاشم فورا بوجه مقطب (انت تاكل.. قزلقرط !..)

حضر الدكتور نزار الشاوي يوما من ايام شهر رمضان الى قاعة المحاضرات طالبا من التلاميذ الصائمين (وشدد على هذه الكلمة)والراغبين في تناول طعام الافطار في القصر الجمهوري تسجيل اسمائهم وذهب البعض من هؤلاء فعل

ا واخبرني زميلي (سلمان نوري جواد) انهم انتظروا الرئيس عبد السلام هناك لفترة وهم يصخبون وحين حضر أخيرا طلب منهم اداء مراسم الصلاة واضطر بعض من كان همَه الطعام ان يقوم ويقعد مقتفيا اداء غيره متلفتا خوفا من ان يلمحه احد وفيمابعد كان الطعام عاديا تقريبا ولم يودعهم احد في النهاية.

كان من عادة العمادة ان تقوم بغلق النادي طيلة ايام شهر رمضان وهو مايضفي وحشة من نوع ما داخل الكلية وكان يمكن الاكتفاء بمنع الافطار العلني مع الاخذ بالاعتبار وجود اديان وطوائف اخرى..

كانت محاضرات الجراحة بالنسبة للرأس والرقبة من حصة الدكتور خالد عبد العزيز القصاب وهو رجل طويل القامة ضخم الجسم اسود

ضخم الجسم اسود الشعر والشارب يتكلم وكأنه يعاني من احتقان في الانف وكانت محاضراته مبسطة نسبيا وتبدو عليه معالم الطيبة واحترام المقابل وكان معروفا عنه اهتمامات فنية (الرسم) وصداقات مع جواد سليم واسماعيل الشيخلي وفائق حسن وهم جماعة بغداد للفن الحديث واقاموا معارض فنية عدة كما كان عضوا في الجمعية البغدادية التي تعرض مقرها يوماً الى هجوم بقنبلة مما ادى الى جرح بعض الموجودين واغلقت ابوابها اثر ذلك.

[ الاساتذة عبدالكريم الخطيب وخالد القصاب وزهير البحراني ..من ارشيف الدكتور سعد الفتال]

قدم الدكتور عزيز محمود شكري محاضرات قيمة عن امراض الكبد والاقنية الصفراوية وكان يرفق كلامه بعرض سلايدات توضيحية وهو ما لم يكن مالوفا في حينه وكان يكثر من استعمال التورية المضحكة كقوله يوما وهو يتحدث عن Ellison zollinger syndrome) )ان هذا لا علاقة له بالممثلة الاميركية الحسناء (جوان اليسون )من تجاوبون عليه بالامتحان وكان يسأل عبرمحاضرات الجهاز الهضمي هل سبق لكم رؤية (visibleperistalsis)ويقصد التموجات المرئية ولما اجابه البعض بالنفي قال بس اكيد شايفين تموجات لامرئية (invisibleperistalsis

ويوما كنت اروم الدخول الى قواويش المستشفى الجمهوري وكان واقفا مع جلبرت توما وثالث لاأعرفه وتحضرت لكي ألقي عليهم السلام الا أنني سمعته يقول لهم بتفجع (وروح ابوية البارحة بأخر دارة خسرت ميتين دينار )واتخذت عندها مسارا منحرفا الى اليسار وكانني لم اسمع شيئاً.

اعطانا الدكتور (عبد الكريم الخطيب )بعض المحاضرات عن جراحة الجهاز الهضمي وكان رجلا ضخم الجسم كريم الاخلاق الى ابعد الحدود ولقد ذكر لنا يوما ان من الضروري اخذ الامور الجراحية بجدية بالغة وضرب لنا مثالا حيث ادخل في احد الايام شاب مصاب بطعنة من سكين مبراة الاظافر الصغيرة وفي نفس الوقت جلب سائق عربة يجرها حصان صدمته شاحنة كبيرة لم تبق عظما سالما من عظامه ومزقت معظم احشائه واجريت له مجموعة عمليات جراحية من غير امل كبير بانقاذ حياته الا انه خلال ايام قليلة توفي الاول من مضاعفات غير متوقعة وتعافى سائق العربة بعد اسابيع.

كما وأن الدكتور (خالد ناجي) اعطانا محاضرات معدودة عن امور لم تكن مألوفة تدريسيا واحداها كانت عن عدد الخلايا التي يجري استحداثها يوميا بالانقسام وهي ارقام فلكية وكيف انه اذاحدث خطأ بسيط هنا او هناك في تلك العملية التي تتكرر باستمرار وبمختلف انواع الانسجة فيمكن ان يكون ذلك بداية الاورام حميدة كانت او خبيثة في الجسم وكنا نشعر احيانا بصعوبة متابعة افكاره ويوما انهال على زملاء له (لم يسمهم )بانهم لم ينصفوا(جبار)وهو من احسن الطلبة حسب قوله ولقد عرفت فيما بعد انه كان يقصد التلميذ (عبد الجبار احمد صالح)وهو في المرحلة الدراسية الاخيرة وكان شابا جميل الشكل يلبس نظارة طبية على وجه مستدير ابيض ويكرس معظم وقته للتواجد مع الدكتور خالد في قاووش 12وينظم له النماذج الجراحية وقوائم العمليات الخاصة به وأوراق البحوث وغيرها وكأنه سكرتير شخصي ولربما كان ذلك يثير حفيظة الاساتذة الاخرين

مرت امتحانات نصف السنة بيسر وكان من المعتاد ان يكون النصف الثاني من السنه اقصر نسبيا وطالب قسم الصحة العامة التلاميذ على شكل مجموعات بتقديم ندوة موسعة يشترك فيها الكل بتقديم الموضوع الذي يحدده القسم على شكل اجزاء بعد الاطلاع على كافة المصادر المختصة به والموجودة في مكتبة القسم وهي مواضيع ثقيلة الدم اصلا

ذهبنا طبعا لمقابلة الدكتور عبد الستار شاهين لمعرفة الموضوع الذي سيكلفنا به ولقد استقبلنا بتثاقل وهو يتمايل في كرسيه الدوار واخذ يقرأ الاسماء (سالمه خليل اسماعيل :سمير محمد محمود العماري :سارة كوركيس توما :سرمد عبد الوهاب الفهد :سمير عبد الحسين حبانه :سكارلت خليل سعيد) وهنا رفع رأسه وانزل نظارته قائلا بتشديد(سكارلت ؟)فحصل على ردود متباينة وكل منا يكمل كلام الاخر : سكارلت اوهارا.. قصة ذهب مع الريح.. مرغريت ميتشل.. ڤيڤيان لي!.. وهنا عقب الاستاذ (بهاي السوالف.. استادية!) ثم سلمنا الموضوع المطلوب منا البحث عنه مع شرح له حسب رأيه ولو انه لم يوضح الا القليل بل لربما زاده تعقيدا وقمنا بتقسيم الموضوع بيننا وبعد مراجعة ماكتب عنه في مكتبة القسم قمنا بتقديمه ظهر احد الايام بحضور الدكتور سعدون التكريتي والدكتور جرجيس عبد المسيح والدكتور حميد تاج الدين وعدد من الطلبة المجبرين على الحضور (نصف نائمين)وكان نصيبي من الندوه جزئان عن الشروط الصحية المطلوبة في المساكن وفي مواقع العمل وحتى الجزء الاول الذي القاه الطالب سرمد الفهد عن الماء ودوره في حياة الانسان وفي الطبيعة كنت قد كتبته انا وضمنته سيرة تاريخية تخص الماء وذكرت عندها مسألة الحورية( ثيتيس )والدة أخيل حين غمرته في النهر المقدس( ستايكس) لحمايته من الموت الا عقبيه اللذين كانت ممسكة بهما حيث نفذ منهما الحمام مع سهم هكتور تحت اسوار طروادة وذلك كله من الياذة هوميروس طبعا ولا أعتقد ان أحدا فهم المقصود حينها وذلك لانها لم تقرأ بشكل واضح الا ان النتيجة كانت جيدة التقييم ولو اننا لم نكن مقتنعين كثيرا بماقدمناه.

وفيما بعد اخذ موضوع الندوة يتضمن تقديم قناني المشروبات الغازية ومن ثم بعض المعجنات لرفع مستوى السكر لدى المستمعين وشد انتباههم من مادة مرَة الطعم على الاغلب حتى تدخلت رئاسة القسم للحد من التمادي في تلك المسألة الحضارية.

جرت في بغداد بطولة كأس العرب لكرة القدم في نيسان 66 وبرز اللاعب الصغير شدراك يوسف لاول مرة ولقد حضرت انا وزميلي هاشم المباراة النهائية بين العراق وسوريا على ملعب الكشافة ليلا تحت الاضواء الكاشفة وكانت بحضور رئيس الجمهورية عبد السلام عارف وكان حارس مرمى سوريا شاب جميل ذو شعر اصفر وبشرة تميل الى الحمرة واسمه فارس السلطجي واخر اسمه احمد حداد ومدافع اسمه وائل عقاد ومن الفريق العراقي كوركيس اسماعيل وجبار رشك وكانت النتيجة فوز العراق بهدفين مقابل هدف لسوريا وكانت جموع الناس خارج الملعب تظهر البهجة والفرح على طول طريق عودتنا الى العيواضية.


بعد اربعة ايام وفي 14 نيسان وعندما كان عبد السلام عارف في زيارة للبصرة وبالتحديد (القرنة)حيث القى خطابا في الملعب الرياضي قبيل المساء ثم ارتحل بطائرة عمودية مالبثت ان سقطت قرب قرية النشوة في خضم عاصفة رملية محلية (كما قيل)وقتل هو وجميع من كان على متنها من وزراء ومرافقين والطيار ايضا ولقد اجريت مراسم تشييع للجنازة منقولة في الراديو والتلفيزيون وسمع الناس بكاء المذيع سليم المعروف ونواحه المبالغ به وهويصيح (انها اللحظات الاخيرة مع ابي احمد) وتذكرت انني شاهدته قبل اشهر قليلة في شارع النهر حيث كنا نذهب انا وزميلي حميد يوم الجمعة الى هناك لكونه عطلة الشارع والمحلات مغلقة عموما ويحلو لنا السير بعيدا عن الضجة والزحام واذا بنا نفاجأ بمرور عبد السلام سائرا على قدميه وكان يلبس بدلة زرقاء من النوع الذي يسمى (صدر الحمام) وخلفه العميد الاشيب (زاهد محمد صالح )بطوله المتميز والمرافق ( عبد الله مجيد ) النحيل الى درجة تلفت النظر بملابسه المدنية وقد تبادل الرئيس التحية مع رجلين يبدو عليهما انهما من المتقاعدين اللذين تصادف وجودهما هناك في حينه بينما اشغلنا نحن انفسنا بالتطلع الى معروضات احد المحلات المغلقة لحين مروره وسرنا بطريق معاكس وسبحان من له الدوام!.

اشيع الكثير عن تلك الحادثة ابتداء من القضاء والقدر الى اتهام كافة الاحزاب الموجودة على الساحة السياسية وبعض اجهزة المخابرات ولعل اغربها على الاطلاق كان تعليق احدهم انها (شارة )من الائمة لكونه علق هازئا (يقولون عنكم اشباه الرجال وانا أقول بل انتم الرجال )في خطاب له في البصرة وطبعا حاشا للائمة التصرف بمشاعر الفعل ورد الفعل وقول اخر انها حوبة عبد الكريم قاسم وذلك لانه لم يتدخل لانقاذه من الاعدام في انقلاب شباط وحتى وصلت الامور الى ذكر ان الابنة الكبرى لعبد السلام اتهمت المخابرات المصرية بقتله امام (جمال) نفسه الذي ظل صامتا لا ينبس ببنت شفة وانتهى الموضوع مثل الكثير من المصارع والاغتيالات التي(تقيد ضد مجهول ) دائما!

كان الدوام في القواويش الباطنية يتم بنفس الصيغة من تقسيم المرضى بين الطلبة وقيامهم بمتابعة التحاليل المجراة والعلاج المقدم واتيح لنا التعرف على عدد من الاساتذة في مختلف المجالات وفي قاووش رقم 9 كان المقيم الاقدم هو الدكتور عجيب علي من خريجي كلية طب الموصل وكان شخصية ممتازة من كافة الوجوه علميا واخلاقيا ويعرف كل ما يجب عن جميع مرضاه واما الاساتذة فهم الدكتور (عادل الدوغره مجي ) والدكتور (مجيد الشماع ) والاول رجل كبير السن اشيب الشعر يلبس نظارة طبية ومن خريجي عام 1939 للكلية الطبية وكان يميل الى ان يعلم تلاميذه قضايا عملية بحتة مفيدة للطلبة والاطباء الجدد ويوما أخرج لنا علبة زجاجية تحتوي على كريات لؤلؤية صغيرة كأنها حبات مسبحة منفرطة قائلا ماهذا؟وطبعا لم نعرف! وعندها ذكر لنا انه دواء((dithiazanine وهو من الادوية التي كانت تستعمل للديدان المعوية ونبه الى ان الطبيب يجب ان يعرف كل شيء عن الادوية التي يكتبها لمرضاه ولايحق له ان يعالج بدواء لايعرف عنه الكثير!.. وعندما كنا نذهب الى احد مطاعم باب المعظم بعد انتهاء الدوام نلاحظ الدكتور الدوغرمجي وهو يسير الى هناك ايضا لكي يستقل مصلحة نقل الركاب ويبدو انه لم يكن يمتلك سيارة خاصة!

[ مجيد الشماع مع لفيف من الطلبة .. من ارشيف الدكتور سعد الفتال]

اما الدكتور مجيد الشماع فانه رجل نحيف البنية اسود الشعر بنظارة طبية وسيجارة لاتفارق فمه وكان قد حصل على الاختصاص مؤخرا ولذا كان كلامه النظري واسعا جدا وكثير التشعب ومما لايناسب احيانا مرحلة دراسية بعينها وكان مغرما بسماع القلب وتشخيص امراضه والاشارة الى ان هذا المريض لديه (opening snap)واخر لديه (ejection click)وطبعا (systolic m)ومن ثم (diastolic m) ومؤكد أن الطلبة يستمعون ويهزون رؤوسهم موافقين حتى لو انهم لم يسمعوا شيئا او سمعوا شيئا مغايرا والنتيجة تكون ان يقترب الدكتور عادل الدوغرمجي ويعلق ضاحكا بلكنته اللطيفة (أگر systolic او diastolic) انت عندك شيء غير الديجوكسين واللازكس؟ متعيفهم للولد يروحون يتغدون ؟! اقتربت ايام الامتحانات النهائية وكنا نحاول الدراسة في البيت او في مقهى قديمة قرب مصلحة اسالة الماء في باب المعظم اوالمقهى البرازيلية في شارع الرشيد حيث اقتطع (عبد)وهو المدير الفعلي لتلك المقهى الجزء الخلفي من الصالة لطالبي الدراسة والواقع انه لم تكن تقدم فيها اصلا دومينو او طاولة وكانت تشتهر بتقديم قهوة رائعة يتم تحميصها مباشرة وأيس كريم من اجمل الانواع في الصيف وكان يجلس خلف المنضدة الرئيسية رجل وامرأة متقدمان في السن وهما اصحابها (ومن الارمن على الاكثر)وكانت المقهى من المعالم التراثية البارزة وكذلك كانت هناك كازينو اسمها (البيضاء)في بداية شارع ابي نؤاس جربنا القراءةعلى سطحها وتحت اضواء النيون والسماء المليئة بالنجوم شاعرين بطراوة النسيم هناك لمجرد اننا في السطح!.

ولاانسى اننا تركنا المطالعة يوما لكي نتابع الفلم الشهير (قصة جندي )عبر الشاشة الصغيرة وهو للمخرج السوفيتي(جريجوري تشوخراي) ونفحنا صاحب المقهى اجرة اضافية لبقائه ينتظرنا لحين اكمال الفلم حوالي الواحدة ليلاً.

كنا نخرج في بعض الامسيات لكي نستمتع برؤية الحاج نجم ودكانه ونلتقي ببعض الطلبة من مختلف المراحل ممن كانوا يسكنون في العيواضية وتحلو عندها الثرثرة وتبادل الهموم وكان زميلي حميد يميل الى معابثة شاب من سكنة المنطقة اسمه (أياد)يحمل كلبة صغيرة من كلاب الزينة ذات الغدائر البيض والعيون الصغيرة وهو يسرف في تعداد خصائصها وصفاتها وذكائها وكان حميد بهمن واقفا يستمع ويبدو عليه عدم الاقتناع وبدون سابق انذار انطلق الزئير المرعب لكلب بيت شامير واذا بحميد يعلق وهو يشير بذلك الاتجاه

(هذا الجلب .. على راسي!) وثارت عاصفة من الضحك دفعت اياد الى الانسحاب باستياء!

جرت الامتحانات النهائية وكانت اجوبتي جيدة في الصحة العامة وممتازة في الطب العدلي وحتى انني حينما دخلت الى الامتحان الشفهي في هذا الدرس وكان ذلك في غرفة ملحقة بالمعهد نفسه واللجنة مكونة من الدكتور احمد الشماع والدكتور صاحب علش وسألني الاستاذ الشماع بعد السلام (بابه وين أهلك؟) وعندما ذكرت له الحلة مال الدكتور علش الى الامام وهو يعلق في اذن الشماع بضحكة عريضة (خيطك؟)وكانت لدي فكرة غير واضحة ان ذلك يعني أكل الباقلاء ووضع الارغفة مربوطة بخيوط ملونة في مائها وعندها انطلقت اجيب بجرأة لااعرف من اين اتتني ان هذا الموضوع عفى عليه الدهر وانني استطيع التاكيد انه غير موجود حاليا ولربما كان ايام الاحتلال التركي مرتبطا ببؤس الناس في حينه ويبدو ان ذلك الجواب اعجب الاستاذين اذ ان الاستاذ الشماع سأل الدكتور علش بعدها (هل لديك شيء مع سمير؟) الا ان الدكتور علش رد (ابدا) وعندها انصرفت بعد ان شكرتهما وحييتهما وكانت نتيجة الامتحان النجاح من الدور الاول ودرجتي في الطب العدلي 79 وهي اعلى ماحصلت عليه طيلة فترة سني الدراسة ولتبدأ مرحلة جديدة....







‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون