


خالتي فرنسا! الصور: سيارتي في فرنسا(ستروين ديان سيس).. كلية طب مونبليه هي قلعة اثرية .. شارع خلف الكلية في الحي الاثري من مونبليه حيث كلية القانون.. جسر الماء والاقواس الرومانيهالكثيرون يستغربون كيف ذهبت انا الى فرنسا.. بل ولايصدقون انني اتحدث باللغة الفرنسية.....!!. السبب هو انني فوجئت في نهاية عام 1978 بكتاب يرشح كل من كان طبيباً مقيماً اقدماً في المفاصل... واتم اكثر من سنة في التدريب ...الى اجازات دراسية عددها عشرة للدراسة في اي بلد في العالم لمدة سنتين...للحصول على شهادة الاختصاص بالمفاصل والتأهيل.... وفي كل العراق لم يكن هناك من اكمل سنة تدريب اقامة قدمى عدى اربعة اشخاص او خمسة ..اي ان عدد المقاعد كان ضعف عددنا...وان قبولنا سوف يكون تحصيل حاصل......
نظام الاجازة الدراسية يعني انك انت الذي يجب ان تحصل على القبول من الجامعات الاجنبية ... بعكس الزمالة اوالبعثة .....حيث يتوجب على الدولة العراقية نفسها ان تجد لك مقعد الدراسة .. اضافة الى ان الرواتب والامتيازات هي اعلى في حالة الزمالة والبعثة من الاجازة الدراسية....حيث ان رواتب الاجازة الدراسية هي نفس الراتب في العراق محولاً الى العملة الصعبة في ذلك البلد...وهو عادة راتب (قوت لايموت)...... ولكنني لم تكن هناك حدود لفرحتي بالاجازة الدراسية.. اخيراً ساحصل على جواز سفر..... واتمكن من مغادرة العراق ..ويرفع منع السفر عني!....
بمجرد ان استلمنا كتاب ترشيحنا للاجازة الدراسية ....حتى بدأت مع احد المرشحين والذي كان يعمل معي في معهد العلاج الطبيعي ...وكان اسمه ( عزيز رحمة الله)....وكان انساناً لطيفاً جداً ..اظنه من وسط العراق..حلة او كربلاء... ..(لا ادري اين صار مصيره) ...حتى بدأنا سويةً.... رحلة البحث عن قبول من الجامعات الاجنبية.... في حينها كانت بغداد مركزاً لكل السفارات... قدمنا اوراقنا الى السفارة الكندية والفرنسية والاسترالية والنيوزلنديه... كلها عدا امريكا لانها كانت مقطوعة العلاقات في تلك الفترة ... والبريطانية ... ايضاً انقطعت العلاقات تماماً معها في اواخر 1978 بسبب مقتل مدير مكتب (منظمة فتح) في لندن (سعيد حمامي) ... واتهام بريطانيا رسمياً للحكومة العراقية بالضلوع في قتله من خلال الجناح العراقي (لجبهة التحرير العربية)... ولسوء حظي وحظ (عزيز رحمة الله) فقد تم طرد السفراء بين البلدين...
كان كتاب ترشيحنا الى الاجازة الدراسية ينص على ( جميع الدول.. عدا بريطانيا)... لذا لم نكلف خاطرنا بالاتصال بأي جامعة بريطانيه... ولكننا بقينا على سعي محموم ودؤؤب في محاولة الحصول على قبول من اية دولة تتحدث اللغة الانكليزية... ... امتحنا لغة انكليزية في السفارة الاسترالية ... كانوا يسمونه امتحان (ديفز).... وكانت اجوره مرتفعة... وامتحنا اللغة الامريكي (التوفل) في بغداد ...وايضاُ مقابل اجور مرتفعة.... وعملنا العشرات من النسخ من شهاداتنا....وصورنا الشخصية.... وخلاصة خدماتنا ارسلناها لكل جامعة في كندا وفي استراليا ونيوزلندا.....
الاجابة الاكيدة الوحيدة بالقبول ... جائتنا من فرنسا... في تلك الفترة كان هناك مكتب تابع للسفارة الفرنسية ... مقره في الكرادة الشرقية اسمه مركز العلاقات الثقافية العراقية الفرنسية... يقوم هو بكل اجراءات متابعة الاتصال بالجامعات الفرنسية ... وكان يديره شخص اسمه ( مسيو ماتيو) ... كان انساناً لطيفاً .. ودوؤباً وجاداً في عمله ... وبعد حوالي الشهر اتصل بي وب (عزيز رحمة الله) هاتفياً طالباً منا المجئ الى مركز العلاقات....
قال لي (حصلت لك على قبول في العديد من افضل جامعات في فرنسا ...جامعة بوردو... هناك حيث النبيذ الفاخر.. والنساء الحسناوات!) اخبرته انني لا اشرب الكحول ابداً... وانني متزوج وعندي طفلة... ولا ابحث عن نساء ....لاحسناوات ....ولاقبيحات...! فكر قليلاً ..ثم قال اذاً القبول الاخر ينفعك ... انه من جامعة مونبليه... المدينة العريقة في الطب... ويفضل ان يبدأ السفر خلال شهر واحد .. كي تكون عندك فترة ستة شهور تقضيها في تعلم اللغة الفرنسية ... قبل البدأ بالدراسة الطبية والتي هي باللغة الفرنسية حصراً ..وربما يسبقها مقابلة او امتحان قبول!.... ونفس الكلام كانت حصة رفيقي عزيز....
عدت وانا منتشي تماماً... سأذهب الى فرنسا! ... اخيراَ!....
كنت قد سمعت من الكثيرين ان الدراسة في فرنسا صعبة ....اضافة الى صعوبة تعلم اللغة الفرنسية..... وان نظامهم في التعليم الطبي هو مختلف كلياً عن بريطانيا .. فسوف اواجه صعوبة في التكيف مع النظام المختلف كلياً عما تعودنا عليه ... وحتى الشهادات التي نحصل عليها ... اسمها غريب جداً.... فهي (سي او اس) بدلاً من ال (ام ار سي بي)... الاولى الفرنسية تعني (شهادة دراسة الاختصاص) ... والثانية البريطانية تعني (عضوية كلية الاطباء الملكية)... ونحن متعودون تماماً على الاخيرة....
ولكني فكرت بالامور من زاوية مختلفة تماماً عن بقية الناس .... ليس هناك اي وسيلة للذهاب الى بريطانيا بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية تماماً معها.... فيجب ان انسى بريطانيا... حصلت على قبول من فرنسا... ساقضي ستة شهور اتعلم فيها واحدة من اجمل لغات العالم...لغة يلقبونها ب (لغة البلابل).... وبعدها سوف اجرب حظي مع الدراسة في فرنسا لمدة سنتين قابلة للتمديد الى ثلاثة... واذا حصل - لاسامح الله- ورسبت في الدراسة .. فانني سوف اعود الى العراق ... واعتبر نفسي انني قد قضيت هذه السنين الثلاثة في اجازة طويلة.... سياحة ومتعة على نفقة الحكومة العراقية.....ومن بعدها سوف ادفع مبلغ الكفالة واجور الدراسة بالتقسيط المريح... عشرة دنانير شهرياً من راتبي... فانا الرابح في جميع الاحوال سواء نجحت ..او رسبت....
وفي خلال شهر واحد...كنت راكباً الطائرة ... في يوم 17/1/1979 الى باريس....!! وفي نفس اليوم طارت بي طيارة الى مدينة مونبليه في اقصى جنوب فرنسا على البحر المتوسط..... وبقي صاحبي (عزيز رحمة الله) متردداً ولم يرافقني في السفر....
كانت سنتين من الدراسة في فرنسا من اجمل السنين في حياتي ... فانا كنت طالب.....تنطبق على جميع مواصفات الطلبة... فحتى بعد ان التحقت بي زوجتي وابنتي خلال شهرين من وصولي هناك... فاننا كنا طلبة ... الطلبة في فرنسا لهم كثير جداً من الحقوق... نأكل في المطعم الطلابي طعام فرنسا الشهير بلذته ... اربعة اوخمسة اصناف في الوجبة الواحدة...بسعر اقرب من المجان لانه مدعوم من قبل الحكومة الفرنسية.. ... نسكن في شقة رائعة شبه مجاناً تماماً ...تمنحنا الحكومة الفرنسية مبالغ معونة اجتماعية بسبب ان عندنا طفلة صغيرة.... وكأي طلاب لدينا الكثير من العطل الصيفية والربيعية..... للاستمتاع بقيادة سيارتي (الستروين الصغيرة) ...وقضاء اجمل ايام مع عائلتي في الاندلس في جنوب اسبانيا ....اوفي امارة اندورا الصغيرة...اوفي مونت كارلو...... اوفي فينيسيا في ايطاليا .. او في رييكا في حنوب يوغسلافيا...
كلية الطب في فرنسا ...هي اقدم كلية طب في اوربا.. تم بناءها في القرن الحادي عشر... فهي تماماً تشبه القلعة الاثرية ... والدخول الى العمادة والى المكتبة يتم عبر جسر معلق .. كان يرفع ايام الحرب الاهلية بين الكاثوليك والبروتستانت في القرون الوسطى..!! المدينة كلها اثرية.. وكانت تحت سيطرة المسلمين الاندلسيين في فترة من فتراتها... وكلية الطب نفسها وباعتراف اساتذتها كانت تدرس كتب الرازي وابن سينا والزهراوي الى حد قبل مدة ليست بالبعيدة ....
ولكن الامور لم تكن كما يرام مع كل الاطباء العراقيين الذين قدموا الى فرنسا...... الكثير منهم لم يكن ينظر الى وقته في فرنسا على انه سياحة على نفقة الحكومة العراقية... وهؤلاء كانوا يعانون الامرين من صعوبة اللغة ..وصعوبة الدراسة ...وصعوبة التأقلم مع المجتمع الفرنسي..... وكتبوا الرسائل.. والطلبات الكثيرة الى الحكومة العراقية ..يرجون ويتوسلون ان توافق الحكومة على ان يغيروا قطر الدراسة من فرنسا الى بريطانيا .. حيث كانت العلاقات قد عادت الى طبيعتها بعد مرور عام من القطيعة...... ولكن الحكومة العراقية لم تسمع لهذه الشكاوى ولم تأخذ معاناتهم محمل الجد ... وهددت بمعاقبة من يفكر منهم بخرق الاتفاق والكفالة... وفعلاً عاد الكثيرين من الاطباء بعد بضع اشهر الى بغداد وتحملوا تبعات اعادة دفع المصاريف التي انفقت عليهم... اما انا فكنت مستمتعاً بكل يوم... وكل اسبوع وشهر من وجودي في تلك المدينة الجميلة في ذلك البلد الجميل..الواقع على البحر الابيض المتوسط وبالربيع الدائم صيفاً وشتاءاً..
كان النظام في ذلك الوقت .. ان كل مبعوث او طالب زمالة او اجازة دراسية كان له الحق بالحصول على تذاكر طائرة مرجع بالخطوط الجوية العراقية ...مرتين كل عام ... وذلك لمنع الشعور بالحنين للوطن ...ولابقاء الطلبة مرتبطين ببلدهم.... وفعلاً استفدت من تلك (المكرمة ) ...والتي كانت بسبب الغنى الفاحش الذي هبط على العراق من السماء في تلك الفترة....وزرت اهلي مرتين قادماً من فرنسا ..قضيت شهراً في كل مرة منهما... اصبت بالقلق والاحباط والانزعاج في كلتا المرتين عندما كنت ازور زملائي واساتذتي في مدينة الطب وفي مستشفيات بغداد.... كانوا يسألونني عن الدراسة في فرنسا... وعن دراسة الطب.. هل تفحصون مرضى .. ؟ هل تدخلون ردهات المستشفى؟ .. هل تضعون يدكم على المريض؟ .. ما اسم الشهادة ؟ ماذا تعني الحروف التي تتكون منها؟ ... واحسست انني سوف ابقى متهم طول حياتي اذا رجعت من فرنسا بشهادة الاختصاص ... سوف يبقى الاخرون ينظرون الى والى شهادتي بريبة وشك ... بعكس من يحصل على الشهادة من بريطانيا... لاريبة ..ولا شك...ولانظرات تحمل اكثر من معنى!! وبدأت ولاول مرة اتململ من الدراسة في فرنسا ... رغم انني كنت مرتاحاً جداً في مدينة رائعة جداً.......
واخيراً ...وفجأة.... حصل امر لم يكن في الحسبان ... احد الاطباء العراقيين في احدى المدن الاخرى ...اظنه قدم للتخصص في الامراض الجلدية......وصل به الامر من اليأس من صعوبة اللغة ..وصعوبة الدراسة....ومن صعوبة التأقلم مع المجتمع الفرنسي...... الى الانتحار بالقاء نفسه من شرفة احدى العمارات العالية. وحمُل اهله الحكومة العراقية تبعات موت ابنهم ..خصوصاً وانه ترك رسالة انتحار يصف فيها كيف انه اشتكى مراراً وتكراراً من صعوبة الوضع ومن صعوبة الدراسة ...الى المسؤولين في بغداد..وان احداً لم يستمع الى شكواه.... وبعد هذا الحادث المفجع بقليل... جاءنا كتاب رسمي من ديوان الرئاسة .....نحن الاطباء فقط..دون باقي الاختصاصات .... الدارسين في فرنسا يخيرنا بين امور ثلاثة:
الاستمرار في دراستنا في فرنسا.....
او... العودة الى العراق واعفائنا من كل التبعات المالية والقانونية عن عدم الحصول على الشهادة المتعاقد عليها....
او... الحصول على قبول جديد من دولة اخرى مثل بريطانيا ..والانتقال الى الدولة الجديدة... باجازة دراسية جديدة لمدة سنتين الى ثلاثة سنوات واعفاءنا من جميع المتعلقات بالكفالة و بالعقد المرتبط بالاجازة الدراسية السابقة..!
كنت قد اكملت سنتين...تعلمت بها (لغة البلابل)...استمتعت مع عائلتي باحلى عطلة ...حصلت فيها على شهادة اختصاص في (الطب الرياضي)...وهي شهادة ثانية عدا استمراري في دراسة المفاصل...(في فرنسا كان يمكنك التسجيل-وظمن اجور زهيدة جداً- باكثر من دراسة ..والحصول على اكثر من شهادة في آن واحد)....
قررت عدم تقديم شهادة (الطب الرياضي) للمصادقة عليها من قبل السفارة العراقية ...وابقائها خفية.... والتقديم على اجازة دراسية جديدة الى بريطانيا ... للحصول على شهادة الطب الباطني .... ال (ام ار سي بي)....وهكذا ابقيت شهادة فرنسا سراً ..ولم ابلغ عنها ...مخافة ان يحرمني الابلاغ عنها من فرصة الحصول على سفرة جديدة ...الى بريطانيا هذه المرة .... وعملت رحلتين لوحدي الى (بريطانيا) حيث السفر من فرنسا الى بريطانيا كان سهلاً وزهيداً جداً....وبعد مقابلتي الاولى ...لاول استاذ مفاصل في بريطانيا (البروفيسور فيرنا رايت)... اعطاني قبول للدراسة معه على الفور...وسلمني ورقة رسمية مختومة وموقعة من قبله بعد بضع ساعات من مقابلته... ارسلتها مع طلب رسمي الى بغداد....وبعد بضع اشهر جائتني الموافقة على اجازة دراسية جديدة ...وثلاثة سنوات اخرى .. لقضائها في بريطانيا هذه المرة !!.