الأحد، 25 أبريل، 2010





صائب القلمجي

عندما انظر الى صور (صائب الفلمجي) ..وعندما اتذكره .. لا ادري لماذا اتذكر دوماُ الممثل المصري (احمدرمزي)... ف(صائب ) كان يتميز بحركة دائمة ..وحب للعب والقفز هنا وهناك ... وممارسة الرياضة بكل انواعها ... وعرض جميع مواهبه العضلية والرياضية... وطبعاً هذا اكسبه جمهور لابأس به من المعجبات من فتيات صفنا.. . وربما حتى من الصفوف الاخرى...وطبعاً اكسبه ذلك حسد وغيرة الكثير من ابناء صفنا
بناتي حالياً يحبون افلام (احمد رمزي ) القديمة بالاسود والابيض....خصوصاً تلك التي مع (عبدالحليم حافظ)...... وفي البداية كانوا لا يعرفون اسمه ... فكانوا يلقبونه (عفريتون)... لانه في افلامه يتصرف كالعفريت في طاقة لاتنضب .. يتحرك دوماً ويضحك ..ويتمازح ..مزاحاً ناعماً او خشناً... فهو دوماً (عفريت).....و(عفريتون)..... وربما معظم هذه الاوصاف تنطبق على (صائب القلمجي) ... زميلي الذي اعزه واحبه لروحه الحية ... وحبه للاخرين ... ومزاحه ...وحركته الدائمة... جاء معي من كلية بغداد... واستمر معي الى بعد العسكرية ... ثم انتقل للعمل ..حسبما اذكر فانه لفترة من الفترات اشتغل في الطب العدلي .. وكان الطب العدلي هو الطريقة المثالية للتخلص من الاقامة القدمى ..وفتح عيادة ..وربما ايضاً للتمكن من الهروب من العراق.. بعدها غادر العراق و انتقل للعمل ..حسبما اظن في احد مستشفيات لندن .. حيث كانت صوره في لقاء ذكرى 30 سنة على التخرج..
انظر الان الى صور صائب .. اراه في كل المناسبات الرياضية في الكلية ... فهو من عائلة اشتهرت بالرياضة ... مثله مثل عائلة (فرنسيس) والذين منهم الطبيب (فالح فرنسيس) ... فصائب هو شقيق بطل العراق الاولمبي (علي القلمجي)........

الاثنين، 19 أبريل، 2010

اود ان احكي ما حصل البارحة18/4/2010 في (الاردن الشقيق).. كنت قد حصلت قبل اسبوع على تأشيرة مسبقة لدخول الاردن من السفارة الاردنية في مسقط. بعد ان نزلت في مطار (الاردن الشقيق) سألني الضابط عن سبب زيارتي اخرجت له اوراق تثبت انني مدعو لحضور المؤتمر العربي للمفاصل وانني ضيف محاضر في المؤتمر اخذ مني الاوراق ..وطلب مني الجلوس جانباً ثم بعد نصف ساعة ..جاء ضابط اخر بملابس مدنية وسألني نفس الاسئلة .. ثم اجلسني جانباً وبعد ساعة جائني حارس واقتادني الى غرفة صغيرة جداً وقذرة جداً وليس فيها اي تبريد او تهوية .. وقفل علي الباب بالمفتاح بعد ان اخبرني انني لن يسمح لي ان ادخل الاردن (الشقيق).. وان علي ان ارجع من حيث اتيت ..كان في تلك الغرفة اربعة اشخاص ثلاثة عراقيين وواحد يمني .. احد العراقيين وهو استاذ جامعي يعمل في احدى الدول الاوربية ..قد مضى عليه اربعة ايام دون نوم في هذه الغرفة الصغيرة والتي ليس فيها فراش او سرير (وهو ابسط حق من حقوق الانسان).. ..وعلى المرء ان يتوسل للحارس كي يذهب الى الحمام... اما الشاي والطعام فيجلبه الحراس لك باسعار السوق السوداء.... توسلت من الحراس ان يسمحوا لي بالتحدث لأي ضابط مخابرات كبير او مسؤول المطار..ولم يسمحوا لي بالتحدث لأي شخص كان .... لانني كنت مستعد لشرح السبب التافه الذي ادى الى منع الدخول المؤشر بحقي على الحاسبة وسببه مشادة حصلت مع احد الضباط على حدود الكرامة قبل ثلاثة سنوات..

بعد ان يأست من ان اجد أحداً اتكلم معه او اشرح له ان المؤتمر هو عربي.. وليس فقط اردني وان من حقنا عليهم كضيوف ادخالنا البلد... خصوصاً اذا كانت اسباب المنع اسباب تافهة تماماً... وبعد ان يأست وخشيت على كرامتي ان تهان اكثر ..اشتريت بطاقة جديدة الى مسقط على خطوط اخرى وبسعر مرتفع.... لان الطائرة التي جئت بها كانت قد غادرت المطار.. عدت الى سلطنة عمان وانا اشعر بمرارة كبيرة ...فقد كننت احلم باللقاء بالكثير من الاخوان في الرابطة العربية للمفاصل والاخوة اطباء المفاصل الاردنيين الذين احبهم واحترمهم والذين لم ارهم منذ مدة طويلة ...ولكن السؤال الوجيه الذي اريد ان اسأله ..هل كانوا سيتجرأون علي ان كنت احمل جواز سفر بريطاني او اوربي او امريكي ...او حتى اسرائيلي !!! وقدر الله وما شاء فعل ...
رسالة من السويد
وصلتني الرسالة التالية من احد زملاء دورتنا:
لا أزال متونس بإسلوبك الشيق بسرد الذكريات، كذلك الدمج بين
الماضي والحاضر، اعجبتني كذلك الصور والأسماء للزملاء والأساتذة
كنتُ قد نسيت الكثيرمنهم ، لكَ شكري وامتناني ياأبوالسوم الورد.

الأربعاء، 14 أبريل، 2010

وصلتني هذه الرسالة من الصديق العزيز محمد عبدالمنعم مكية المقيم في الولايات المتحدة الامريكية كطبيب اختصاصي اشعة تشخيصية
Dear Abu Mustafa,
Beautiful pack of memories and well knitted symphony of literature reminding me of " Anis Mansour " journeys.
Your candidacy of sexual adventures was appealing.
When a Chinese wants to curse you, he says: (you may live in interesting times) i.e., times of chaos & turmoil.
And boy, those surely applies to you and all the poor Iraqis who had gone twice into interesting times
1. 1915-1921 ----> fall of Ottoman Empire, British occupation and 1920 farmer's revolution. "After 400 yrs. of stability"
2. 1958- now ----> fall of monarchy. This period reached its peak with the fall of military junta dictatorship and militia domination establishing sectarian violence.
People’s lives were shattered and torn up, families broken down & refuged all over the globe. This phenomenon is accentuated by globalization العولمة. The world has changed into a small village!.
I am grateful to you pioneering as class 73 historian and gatekeeper of those beautiful memories substantiated by photos. People and friends you mentioned in your diary are no stranger to me. I had come across them over the past 40 yrs, in various stages of life, Baghdad College. Reserve Military College, Baghdad hospital rotations, Medical City Hospital permanency, part 1 MRCP course and London residency. It bring tears to my eyes when flashbacks tickles my memory again and reality stares me in the face to reiterate that we are fragile mortal creatures لا حول لنا ولا قوة , approaching the terminal phase of our lives.
ليت الشباب يعود يوما
فاحدثه بما فعل المشيبا
Those were really our happy days and they are over. We were penniless full of hope and ambition determined to change the world when in fact the world changed us. وتقدرون وتضحك الاقدار
I must also disagree with you that you were very generous and biased in singing your praises to all those friends you had mentioned when in fact a good portion of them were superficial, self centered , power mongering Machiavellians "خرنكعية", however after all those years I don’t hold a grudge against anyone because "nobody's perfect".
I must also remind you that in Baghdad College 1963- 1967 we shared same class in 1D and 3E. I still remember a lot during those days and even your class seat in the rear because you were tallest among us.
Please continue to keep us entertained and thanks a million.

الثلاثاء، 13 أبريل، 2010




الفسلجة والكيمياء الحياتيه
وانا اقلب صور الكلية القديمة ... وقعت عينيى على صورة من (الكتاب السنوي) لدورتنا ... ذلك الذي اصدر على يد القلة القليلة من الشباب الابطال من دورتنا... (حرب العمري) و(محمد السامرائي) و(هشام الجوراني)... اولئك الذين قاموا بعمل جبار ...خلد لنا اسماء ابناء دورتنا.
وقعت عيني وانا انظر الى صورة استاذنا (عبدالستار فاضل) عندما كان رئيساً للقسم... واقرأ ما كتب عن القسم.... كانت الفزيولوجي (الفسلجة) و(الكيمياء الحيوية) ....قسماً واحداً للفسلجة والكيمياء الحيوية ... منذ تأسيس الكلية في العشرينات ولغاية عام 1945.. حيث انفصلتا الى قسمين مستقلين... ثم عادتا وارتبطتا سوية من الناحية الادارية عام 1964... وانا انظر ... هل كنا في العراق متطورين في عقليتنا الى تلك الدرجة؟ ... منذ تلك السنين؟ ... فانا الان ادرََس في (كلية عمان الطبية) وهي كلية اهلية.. مرتبطة اكاديمياً بجامعة (وست فرجينيا) الامريكية ... وان قسم الفسلجة والكيمياء الحيوية مرتبطة في قسم واحد في كليتنا يسمونه (هيومان فنكشن.. اي وضائف الانسان)... نحن في العراق .. كنا دوماً سباقين في تفكيرنا .. وعندنا ابداع وقدرة على التفكير المنطقي ربما نتميز بها عن الكثير من البلاد المجاورة..
استاذنا (عبدالستار فاضل) اذكره دوماً على كونه من اطيب الاساتذه .. وكنا نحبه ونجده دوماً حاضراً للمساعدة ولتفهم حاجاتنا... ولكننا كنا نحبه لسبب وجيه اخر.. كان (لاعب مهم) في فريق الطائرة للاساتذه.... ذلك الفريق الذي كان يضم معه (وليم فرنكول) و (عبدالصاحب الموسوي) و(احمدنصرالله) .. وكنا نستمتع بمشاهدة مبارياتهم ضد فريق الطلاب ... وكنا في كثير من الاحيان نشجع اساتذتنا ضد زملائنا.. فحبنا لاساتذتنا كان لاحدود له..
ورغم ان مادة (الكيمياء الحيوية) كانت تعتبر من المواد الصعبة .. الا انني اذكر كم كان هناك من الجهد المستمر لافهامنا الدروس عملياً في المختبرات الكبيرة التي تخص الكيمياء الحيوية... والاجهزة والمعدات والمواد التي كنا نصرفها ... في اجراء تحليلات الحوامض والقواعد ..وتحويل المواد من الحالة الحامضية الى القاعدية... تلك التجارب التي هي في الواقع القلب الحقيقي لممارسة الطب وعلاج الخلل الذي يقع في كيمياء الدم وكيمياء الكلى .... والخلل الخاص باملاح الدم وحامضيته وقاعديته ...
الان وبعد مرور قرابة اربعين عاماً .. اقارن بين الكلية التي انا اعمل فيها الان وبين كليتنا الحبيبة كلية الطب قبل اربعين سنة! ..لا احس بوجود اختلاف كبير.. واشعر بالكثير من الزهو والفخر بكليتنا الام....


محمد فرحان الجارالله
هو..الانسان ...الانسان... محمد فرحان.. لم اكن اعرفه جيداً اثناء فترة كلية الطب..... وليتني كنت اعرفه جيداً طوال فترة الكلية ... فبحكم طريقة توزيعنا الى مجموعات .. وبحكم الالتزام المستمر بالحروف الابجدية ...والدوام والمنهاج الطويل جداً جداً.. فإن ذلك كان يعني ان هناك من الاشخاص من دورتنا .. ولنقل بحرف الميم مثلاً... لم التق بهم في درس او في مختبر او في طابق سريري او تدريب.. ولم اتعرف عليهم لحين تخرجنا رغم انهم قد يكونون متميزون جداً... الا من كانت له نشاطات لاصفية خارقة ....وحضور في السفرات والمهرجانات... .. وعندها كنا نراه ونتعرف عليه...
محمد فرحان يملك موهبة رائعة في الشعر.. عرفته انساناُ رقيقاً جداً... حساساً جداً... كانت صداقتي معه في نهايات الكلية الطبية وبدايات الاقامة الدورية ... تعرفت عليه عن كثب عندما كان يأتي الى المستشفى الذي اعمل فيه.... لا ليزورني وانما ليزور الاطباء المقيمين الاخرين من دورتنا والذين كانت اساميهم ايضاً بحرف الميم ... وبالتالي فقد توطدت معرفتي به ... وفيما بعد عرفت انه شاعر رائع ... يملك كل الرقة والاحاسيس الحلوة لشاعر ... ربما على نفس نمط (نزار قباني)... بعواطفه الجياشة ... واسلوبه الرقيق...
عرفت فيما بعد انه اتخذ طب الاطفال اختصاصاً له ... لا اذكر اني التقيت به بعد عودتي من الخارج في 1985.. وكل ما اذكره عنه هو طيف وذكرى جميلة عن انسان .. شاعر .. رقيق جداً... علمت فيما بعد انه عمل في مستشفى الطف العربي لفترة ... ثم تحول الى العمل في مستشفى ابن البلدي ...حيث يعمل الان ....

الاثنين، 12 أبريل، 2010




نزار الصفار
رغم ان (نزار) كان من صفنا.. الا اننا لم يحصل ان التقينا في مجموعة واحدة ... الى ان تخرجنا من كلية الطب .. وفي الخدمة العسكرية في وحدة الميدان الطبية الخامسة والتي كان مقرها اربيل .. جاء (نزار) منقولاُ الينا .. هناك تعرفت عليه عن كثب ...عرفت فيه انساناً طيباً ..رقيقاً ...حسن المعشر.. يحبه كل من حوله... لا انسى قصة مصنع الاقمشة الذي كانوا يمتلكونه ...
القصة ان والده كان قد انشأ مصنع لصنع القماش القطني (البازة) ... في بغداد ... وكان ينتج القماش باسعار معقولة .. ويجنى لوالد نزار ايضاً ارباحاً معقولة ... حتى كان اليوم المشؤوم الذي ذهب به رئيس جمهورية العراق (عبدالسلام عارف) لزيارة (جمال عبدالناصر) في مصر... كان ذلك في اواخر سنة 63 او بداية 64... وهناك التقي ايضاً ب(خروتشيف ) رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي المشهور.... اطلع (عبدالسلام عارف) على اهم منجزات (جمال عبدالناصر) وهي تأميم قناة السويس ... وتأميم مصانع النسيج القطني العملاقة في (المحلة الكبرى)...
والمعروف عن (عبدالسلام عارف) انه كان يعشق القومية العربية ..ومن اشد المعجبين بشخصية وقيادة الرئيس المصري (جمال عبدالناصر)...عاد (عبدالسلام عارف) واول مافعله ان اصدر قراراُ بتأميم جميع المصانع في العراق...وكانت معظم المصانع الكبيرة مملوكة للدولة اصلاُ وليس هناك غير بضع معامل اهلية صغيرة ..... احدها كان الذي يملكه والد (نزار)...واستولت الدولة على مصنع النسيج القطني الصغير الذي كانوا يملكونه...
وفي وقت قصير ... صارت به ادارة ..ومدير مفوض ....ورئيس عمال ..ورئيس لجنة نقابية ...ووارده وصادرة..وشعبة حسابات.... وتضخم عدد العاملين فيه من خمسة نفرات هم كل من كان يعمل فيه الى اعداد كبيرة .... وزادت كلفة الانتاج... وفي الوقت الذي كان ينتج المتر من قماش القطن البازة ب(مئة وعشرة) فلوس فقط ...منها (عشرة فلوس ارباح) الى (مئتان وخمسون فلساً) للمتر وبدون ارباح .. بل وخسارة للمعمل....
لم انس القصة طوال هذه السنين .. لانها مثال عملي على عبقرية العالم الاشتراكي .. وعبقرية قادة بلادنا الذين قادونا نحو (الاشتراكية).....
اخر مرة رأيت فيها صوراً ل(نزار الصفار) كانت في حفل ذكرى مرور ثلاثين سنة على دورتنا والذي صار في لندن عام 2003 ولم احضره ..ولكني احتفظ بصور الحفل...



لحاظ الغزالي
عندما فكرت في الكتابة عن ابناء دورتنا واحداثها ...كانت امامي مشكلتين .. الاولى: هل اذكر اسماء ابناء دورتنا الصريحة ام اسماء مستعارة ام ماذا... ثم توصلت الى قناعة ان اكتب الاسماء الصريحة للذكور منهم فقط.. فليس هناك من قد عمل ما يستحى منه .. وان كان هناك مثل ذلك... فقد مرت سنين طويلة .. وعفى الله عما سلف..!!.
المشكلة الثانية كانت (بنات دورتنا) .. هل اذكرهن ام اكتب عنهن... وقررت ان لا افعل ذلك ... وان كنت ذكرت عرضاً واحدة منهن او اشرت الى اخرى ... فقد كان بالتلميح فقط وليس بذكر الاسم الصريح... والسبب ان الكثير منهن قد تزوجن وصارت لهن عوائل صغيرة او كبيرة ... وربما من الافضل عدم الاشارة او ذكر اي منهن على الاطلاق...
الاستثناء الوحيد هو (لحاظ الغزالي) .. والسبب هو انها قد نالت من الشهرة مؤخراً ما ملأ اعمدة الصحف والانترنيت ... واخبار تكريمها من قبل منظمة اليونسكو ... واستلامها جائزة من قبل الرئيس الفرنسي(ساركوزي) على بحوث نشرتها وعمل دؤوب في الامراض الجينية والتشوهات الوراثية في الخليج... بعد ان قضت سنين طويلة تعمل كاستاذة اطفال (حسب علمي ) في جامعة الخليج ... كلية الطب .. والتي مقرها مدينة (العين ) والتي لاتبعد اكثر من ساعة واحدة فقط بالسيارة... عن المدينة التي اعمل الان فيها ... مدينة (صحار) في (سلطنة عمان).. الا انني لم يصدف ان التقي ب(لحاظ) او اعرف عنها شيئاُ عدا ما كتبته صفحات الانترنيت ... وسوف اقتبس بعضاُ منها...
ولكي لا يتصور احداً انني انا نفسي (معقد) ولذلك لا اكتب عن بنات دورتنا ... باسمائهن الصريحة.. (وشكو بيها...ويمعود هاي انته متخلف حضارياً)........ فلابد ان اذكر واقعة حصلت لي عندما كنت اتدرب على الجراحة في السنة النهائية في طب بغداد.... كان استاذ الجراحة قد اعطانا مهمات معينة للبحث فيها وانجازها... وعلى شكل مجاميع... وبالتالي بما ان احدى الفتيات او اكثر من فتاة كانت في نفس مجموعتنا ... فانا وبكل سذاجة وبراءة طلبت من زميلتنا ان تعطيني رقم هاتف بيتهم لكي اتصل بها لاخبارها عن مدى تقدم البحث الذي طلب منا انجازه... كانت ايضاً سذاجة مني ان اتصور اننا وبعد قضاء ستة سنوات كاملة في كلية الطب ...بحلوها ومرها..... فاننا لم نكن سننظر احدنا للاخر ...الا كما ينظر الاخ الى اخته .... بل وكما ينظر الاخ الى اخيه! ولكني كنت متوهم...متوهم جداً.... فكأن القيامة قامت... فلا تزال (الرزالة ) التي أكلتها من زميلتنا ترن في اذني .... (انته كل عقلك انطيك رقم تليفوننا؟ آني ..انطيك رقم تليفوننه ...انته؟ انته كذا....انته كذا ) وكانت (رزالة) لاتنسى... اخبرتني (زميلتي) عن شعورها الحقيقي تجاهي ... على انني لا ازيد عن كوني واحد (سرسري ) و(سيبندي) .. ولست اهل ب(الثقة) لان تعطيني رقم تليفون بيتهم كي اتابع موضوع كلفنا به استاذنا (مع ان العراق لم يكن به موبايلات في ذلك الزمان ..وان اي رقم هاتف ارضي يمكن الحصول عليه من البدالة المركزية) .. .وبلعت الرزالة ..وسكت ..وكبرت عقلي..ولم اكبر الموضوع..... سبحان الله .. بعض الامور تنسى بمور الوقت ... ولكن ذلك الموقف لم انساه ابداً... وصدقوا او لاتصدقوا فانني اكتب عنه الان ... وانا ابتسم ... ابتسم لان هناك في فتاة من صفنا كانت تظن انني سرسري..وانني ... غير اهل للثقة!!

لحاظ الغزالي عالمة جينات متميزة

إعداد عالية كريم

تعتبر البروفسورة العراقية لحاظ الغزالي من الرياديين في علم الجينات وبحوثه في المنطقة العربية. حيث أنها عملت على نشر الوعي لأكثر من 17 عاماً بين شعوب الشرق الأوسط، لا سيما بالنسبة لقضية كثرة التزاوج بين الأقارب وعلاقتها بظهورالأمراض الوراثية في هذه المنطقة. وكذلك تمكّنت من التعرّف الى الكثير من الأمراض الوراثية الجينية، وساهمت في تحديد مواصفات أمراض وراثية على المستويين الإكلينيكي والجزيئي.
وأسست أيضاً نظاماً لتسجيل حالات التشوهات عند حديثي الولادة في الإمارات العربية المتحدة، اعتُبِر ألأولّ من نوعه عربياً، فنال عضوية «المركز الدولي للأمراض الجينية» في روما.وأسهمت أيضاً في التوعية بأهمية الفحص الجيني قبل الزواج باعتباره جزءاً من الوقاية من الأمراض الوراثية.

*التحقت البروفسورة الغزالي بهيئة التدريس في جامعة الإمارات في عام 1990. وحينها، لم تكن هنالك مراكز لتشخيص الأمراض الوراثية ولا مراكز بحوث مختصة. فأسّست مركزاً لعلم الجينات يحتوي على مختبرات للجينات وأحماضها النووية. ويغطي هذا المركز سكان الإمارات العربية المتحدة راهناً، ويدعم العائلات المتأثرة بالأمراض الجينية.وبذا تعتبر لحاظ الغزالي المؤسسة لأول مركز اماراتي لتشخيص الأمراض الوراثية .
في بحوثها ركزت الغزالي على التعرّف إلى الأمراض الجينية الأكثر شيوعاً إماراتياً وعربياً. واستطاعت قيادة فريق عمل دولي لرسم خرائط 7 أمراض جينية (أُطلق على 2 منها اسم الغزالي)، وكذلك للتعرّف إلى أكثر من 15 جيناً تساهم في الأمراض بصورة غير مباشرة.
*لقد اعلن فوز لحاظ الغزالي التي اعتُبِرَت ممثّلة لأفريقيا والدول العربية،بجائزة لوريال-يونيسكو في الذكرى العاشرة لانطلاقة تلك الجائزة في علم الجينات الذي يختص بتشخيص الأمراض الوراثية والوقاية منها. ويعتبر من أكثر الاختصاصات الطبية في سرعة التطور، خصوصاً بعد التوصّل الى رسم الخريطة الكاملة لتركيب الجينات عند الانسان (جينوم) في مطلع القرن 21
*منذ عشرة أعوام، تمنح خمس جوائز لعالمات متميزات من مختلف مناطق العالم اعترافاً بإنجازاتهن. ومع جوائز هذا العام، بلغ مجموع العالمات اللواتي كوفئن حتى الآن 52 عالمة من 26 بلداً. وتبلغ قيمة كل جائزة 000 100 دولار.
* سبق ان إعلن في باريس توقيع 40 باحثة فزن بها خلال العقد المنصرم، على وثيقة «من أجل المرأة والعلم» تعتبر أولى من نوعها لجهة تشجيع البحث العلمي، وخصوصاً حضور المرأة فيه ونيلها ما تستحقه علمياً وأكاديمياً. وتحثّ الوثيقة النساء العالِمات على أن يَكُنّ سفيرات للتغيير اجتماعياً وعلمياً؛ وأن يدافعن عن التنويع والمساواة بين الجنسين، وأن يتبنين نهج الإبداع والتجديد، وأن يبنين شبكات عالمية للتواصل والترابط بين العالمات والباحثات، وأن يسهِمن في تغيير المفاهيم والمعتقدات لمصلحة العلم وغيرها. وصُدّقت الوثيقة من الأمين العام لمنظمة «يونيسكو» كوتشيرو ماتسورا ورئيس مجلس إدارة «لوريال» لينزي أوين-جونز.
*لقد فاز بهذه الجائزة لهذا العام كل من إليزابيث بلاكبيرن، آنا بيلين إلغويهن، آدا يوناث، ف. ناري كيم و لحاظ الغزالي وهنّ الفائزات بجوائز لوريال-اليونسكو للنساء في ميدان العلم.

*حصلت الغزالي على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة بغداد. وتدرّبت في علم الجينات في جامعتي «أدنبره» و «ليدز» في المملكة المتحدة. ولعبت دوراً قيادياً في تأسيس «المركز العربي لدراسة الجينوم» في دبي. ومُنِحتها جامعة الإمارات جائزة الأداء المتميز في البحوث والخدمات الطبية عام 2003. ونُشِرت سيرتها الذاتية وإنجازاتها في مجلة «لانسيت» الطبية المرموقة في عام 2006.
*يعود تميز لحاظ لاهتمام اسرتها بالتعليم المتميز، فتقول لحاظ: «كان والدي قاضياً في الجيش وكانت والدتي سابقة لعصرها في مجال التعليم باعتبارها من أوائل النساء التحاقاً بالدراسة الجامعية في العراق في الثلاثينات من القرن العشرين. وشجعتني خلال مشواري المهني من خلال قولها ان الارادة الصامدة في امكانها أن تُنجز الأحلام. وهذا ما أنشأت عليه أبنائي الثلاثة أيضاً».
وتضيف الغزالي: «نبع اهتمامي بعلم الجينات من الرغبة الملحّة في فهم الأسس العلمية للفوارق بين الأطفال الذين يعانون أمراضاً وراثية مختلفة، لكنهم يصنّفون تحت مظلة «الأطفال ذوي العيوب الوراثية» من دون الالتفات إلى خصوصيات كل منهم. وكنت شغوفة باكتشاف طرق لمساعدتهم».
وتناولت موضوع الوقاية من الأمراض الجينية قائلة: «يعتبر العلاج الفعال للحالات الوراثية محدوداً جداً. وفي المستقبل القريب قد تُشخّص الأمراض الوراثية بأعداد تفوق امكانات علاجها.
لقد ثبُتت صعوبة تصحيح الجينات المختلة في شكل دقيق ومن دون أعراض جانبية... ومع التطور السريع سنتمكن من تحسين أساليب الطب الحديث».
وترى الغزالي أن النساء يواجهن الصعوبات نفسها في الدول المختلفة؛ وخصوصاً لجهة صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة. وتوضح: «في مجال البحث العلمي، وجدت أن ليس هناك فارق بين الثقافتين العراقية والأوروبية». وكذلك لاحظت ان «غالباً ما يهمش دور المرأة في البحث العلمي؛ والقليلات يصلن إلى مناصب قيادية علمياً... إن مجتمع العلماء والباحثين الرجال ينَحّي جانباً النساء العالِمات كونه مجتمعاً ذا غالبية ذكورية».
وتنصح الغزالي الأجيال المقبلة من النساء الباحثات بالتركيز على أهدافهن بعزم وإصرار، وبأن يُكسِبن أنفسهن مناعة ضد الإحباط. وتقول: «نصيحتي لَكُنّ أن تتحلّين بالثقة، فتعملن بجد مع تحديد واضح لأهدافكن... لا تدعن العقبات ولا الإخفاقات تحبط من عزائمكن بل خُذنَ العِبرة منها. ولا تَنسين أن التجربة التي لا تَقتلني تُثريني».


سالم داود يوسف
سالم من الطلاب القادمين من كلية بغداد... شخص ممتلئ وطويل... طيب القلب... واذكر انه كان متوسط الاجتهاد عندما كان في كلية بغداد وبعدها في كلية الطب ..وزنه كان دوماً (فوق الوسط!!) ولا اذكر انه كان مجتهداً جداً في دراسته... ... وربما كان.. مثلي ...كان كثير الاهتمام بالفعاليات اللاصفية.... وان كنت لا اذكر له اي فعاليات اخرى...
في بداية التسعينات على ما اذكر ... سمعت بان (سالم) صار مدير قسم او مدير شعبة في وزارة الصحة... في قضايا تخص البيئة او الصحة العامة ... لا اذكر جيداً.. وعسى ان وقعت هذه الرسالة بيده ان يصحح لي المعلومة... ثم فجأة خرج من وزارة الصحة ...... وانتقل الى احدى الدوائر الصحية... لست اذكر تحديداً ... فربما صار ادارياً في مديرية مدينة الطب... ولكنه وفي بداية سنين الحصار... هاجر من العراق الى امريكا...
اختفت تماماً اخبار سالم عني ... ولم اعد اسمع اي شئ عنه....
قبل شهر واحد... قدم احد الزملاء الهنود التدريسيون معي في (كلية عمان الطبية) (ويا مكثر الهنود في قطاع الطب والتدريس الجامعي في سلطنة عمان!!).. قدم زميلي الهندي محاضرة عن (الحبة المتعددة الفوائد) Polypill(بولي بل)... .. وهي تعتمد على فكرة بسيطة... انه بما ان جميع مرضى القلب والذبحة... بل والكثير من الناس ..يحتاجون في آن واحد الى ثلاثة انواع حبوب على الاقل... للوقاية من امراض القلب ..ولارتفاع الدهون (خصوصاً الكوليسترول).. ولارتفاع الضغط.. فلماذا لاتعتمد حبة واحدة فقط تحتوي على كل هذه الوقايات؟ فالفكرة اذاً بسيطة جداً...حبة تحتوي في آن واحد على دواء مخفض للضغط واخر مخفض للدهون والاخر اسبرين .. وهي تعتبر الان الحبة الموصى بها للوقاية من امراض القلب..... وتم اعتمادها والتوصية بها من قبل منظمة (الصحة العالمية) لانها تخفض التكاليف كثيراً للناس .. كما انها سهلة الاستعمال وبالتالي فمن المظمون الاستمرار عليها...وتجري الان بحوث كبيرة عن جدوى استعمالها في دول مثل الهند .... وورد اسم (سالم داود) على انه مكتشف فكرة هذه الحبة والباحث الرئيسي الذي كتب عنها في كبريات المجلات الطبية الامريكية والبريطانية..مثل اللانسيت والنيو انكلاند جورنال.... وصار اسمه هو المصدر الرئيسي الذي يشار له..
لحد الان لست دري ان كان (سالم داود) صاحب الحبة المتعدده (البولي بل) هو نفسه.. زميلي وابن دورتي ...(سالم داود يوسف) .. ام انه تشابه اسماء فقط..وارجو الا يكون مجرد تشابه اسماء... فانا افتخر كثيراً بأبناء دورتي....واتمنى دوماً ان اراهم وهم يتسنمون اعلى المناصب.... هل هناك من يعرف؟



خضير عباس الخالصي
خضير عباس كان احد الشباب المشهورين في مجموعتنا... شاب طيب ... سهل المعشر.. لم اعرف عنه اي ايذاء لاي شخص... وبحكم الحروف الابجدية كان دوماً في مجموعات اخرى... اذكره كان مدخناً لاتفارقه السيجارة ..واعتقد انه لايزال.... ولا تفارقه الابتسامة.. وكان من الاعمده المهمه في التحضير للمهرجانات والسفرات....
تخصص خضير في الطب الباطني ... حصل على شهادة عضوية الاطباء الملكية البريطانية في وقت قياسي ادهش الجميع .. وعاد الى العراق في اثناء الحرب العراقية الايرانية...
انتقل الى كلية الطب من وزارة الصحة في التسعينات... وصرنا نعمل سوية في (فرع الطب) من كلية طب بغداد... صار اهتمامه بالدرجة الاولى امراض الدم ... وصار من الاشخاص المعروفين بهذا المجال.. في عام 2005 زارنا زميلنا المشترك (محمد عبدالمنعم مكية ) والذي هو مقيم حالياً في امريكا كطبيب في اختصاص الاشعة التشخيصية .. اظن في كاليفورنيا... وكان لنا جلسات وذكريات عن الايام الخوالي..... احياناً كان يتصل به الشخص الاخر الذي كانت علاقاته قوية معه وهو (يسار الشماع) الذي صار استاذاَ هو الاخر في كلية طب الفرات الاوسط... (لا ادري ان تم تغيير تسميتها بعد الاحتلال.. فقد تم تغيير كل الاسماء!) وكان (يسار) قد حصل على الدكتوراه في الفسيولوجي من جامعة (ليدز) في بريطانيا, وبحكم عملي وقضائي طيلة خمسة سنوات في مدينة ليدز .. فقد كنت التقي ب(يسار) وزوجته الكريمة بين الفترة والاخرى....

الأحد، 11 أبريل، 2010

محمد جنيد... محمد جنيد
الصور اثناء لقائي بالزملاء في لندن 2009 :انا,عزم السنوي, قاسم فاضل, سميرالجنابي, محمدجنيد, الثانية: محمد جنيد,قاسم فاضل,نوفل نذير





محمد جنيد صلاح الدين
(محمدجنبد صلاح الدين) .. ليس من خريجي بغداد وانما من نفس دورتنا من الموصل... لذا فقد كان شريكنا في الاقامة الدورية وفي الخدمة العسكرية... انا تعرفت عليه في بداية الخدمة العسكرية , حيث عرفني عليه جاري وابن دورتنا.... وخريج الموصل ايضاُ (عجيل العجيل)... وكان محمد جنيد يستعمل سيارة والده ال(لادا) ..حيث يأتينا فجر كل يوم ليأخذنا الى المعسكر....
اول ماعرفته عن (محمدجنيد) كان انه انسان متدين.... واخذنا ندخل في نقاشات دينية ... وعرفت انه من الناس الذين ينظرون الى الدين بسهوله ويسر... ليس متعصباً على الاطلاق في تدينه ... يحاول دوماً ان يجعل من الدين امر محبب في الحياة .... فليس هناك ضير في ان تكون مسلماً مصلياً ملتزماً... ثم تستمتع باغنية حلوة ليس فيها كلام فاحش.... وليس فيها اساءة للدين...(في ذلك الوقت لم يكن هناك فيديو كليب.. او راقصات خليعات بصحبة الاغاني)...... اقصى ماكنا نستمع اليه هو ام كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب.... ولا اظن انه كان عنده كثير من الاعتراض على بعض الممارسات التي قد لايكون فيها اساءة للدين ... مثل احتفال طفل بعيد ميلاده...او حلق الشارب او اللحية .. او لبس الاربطة....او تهنئة غير المسلمين باعيادهم..... وهي امور لا ازال اجد المتشددين في الدين يسيئون الى الدين بتشددهم بها.... المهم انني وجدت في (محمدجنيد) الانسان الذي يفهم الاسلام بعمق وايمان شديد ولكن بروح العصر...وبروح الشاب الواعي المتفتح.....
كان توزيعنا الى شمال العراق اثناء العسكرية... وبقيت التقي ب(محمدجنيد) في كثير من المرات .. ازوره الى الوحدة العسكرية التي تنسب اليها ...ويزورني هو.... وعندما قررت ان اتقدم لخطبة احدى الفتيات... حملني بسيارته الى مكان عملها ...فقد كانت طبيبة اسنان تعمل في مركز صحي في الدورة.....واوصلني ثم تركني هناك... وصارت فيما بعد زوجتي....
في الارياف... عاني الكثير بسبب استهتار بعض ضباط الامن في المنطقة التي عمل فيها كطبيب في احد المراكز الصحية ... فهو بسبب تدينه كان لايرضى بأي من الممارسات الخاطئة التي كان قسم من الضباط وللاسف يمارسونها تجاه مستشفيات ومراكز صحية في اماكن نائية من اعتداءات على مريضات او ممرضات...... وكان ان اصطدم بواحد من هؤلاء الشاكلة ... ومر بوقت عصيب جداً ...ترك فيه العمل لفترة من الوقت....
انتقل فيما بعد للعمل في المركز الصحي في (ال بدير) التابع للديوانية... وفي احدى عطلي ... ذهبت لزيارته هناك .. والمبيت في مكان عمله ...وكانت رحلة ممتعة كثيراً بالنسبة لي ...واللقاء بالشخص الرائع الذي وجدت فيه اسمى معاني الصداقة والوفاء وحسن الاخلاق ..والايمان العميق بالله....
بينما كانت اقامتي القدمى في التأهيل والمفاصل... فإن (محمدجنيد) اختار الجراحة للتدرب فيها...وكان سفري ومغادرتي للعراق بوقت قياسي ... مباشرة بعد اكمال سنة او سنة ونصف من التدريب كنت قد غادرت الى فرنسا...وبعد ذلك بحوالي سنتين اندلعت الحرب العراقية الايرانية.....
انتقلت للدراسة ... والعمل في بريطانيا .. ولم تكن قد مضى على وجودي في بريطانيا عام واحد حتى سمعت ان (محمدجنيد) قد وصل (لندن) لغرض العلاج! ..... ووقع الخبر على كالصاعقة... اخبروني ان (محمدجنيد) كان يعالج احد الجرحى في المستشفى العسكري عندما وصل الى يده جسم غريب من ملابس الجريح... وانفجر الجسم الغريب والذي كان صاعق ل قنبلة يدويه ... انفجر في يد (محمد جنيد) مسبباً اضراراً في اصابعه وفي عينه....
بعد علاج في (بغداد) ... ارسل الى (لندن) للعلاج... وكم حزنت لانني كنت اعمل في (ليدز) في شمال انكلترا ...ولم اتمكن انا.... ولم يتمكن هو...... في ان نلتقي في تلك الفترة القصيرة التي عاد بعدها الى (بغداد)....
رجعت الى العراق بشكل نهائي في نهاية 1985 وتم تسويقي الى الجيش ..حيث تم تعييني في مستشفى الرشيد العسكري...وزرت (محمدجنيد) في المستشفى الذي يعمل فيه .. حيث كان احد الجراحين الذين لايستغنى عنهم في مستشفى القوة الجوية... وبعد ذلك ربما بعام واحد ..صدر امر الموافقة على ذهابه للتخصص في (انكلترا)..... وذهبت انا واخي (حكمت ) الى مطار بغداد... واوصلناه الى داخل الطائرة....وكان ذلك اخر عهده بالعراق... حيث تخصص في الجراحة التجميلية ... عمل معظم وقته في مدينة (برمنكهام) في وسط انكلترا ... وكنت ارى كم يحبه العاملون في المستشفى والممرضات ...والمرضى ... عندما زرته في المستشفى الذي يعمل فيه...كيف لا وهو الانسان الذي تقمص روح الاسلام..... وفهم المعنى الحقيقي للدين ... واحب الله والناس... فاحبه الله واحبه الناس.....
في عام 1999 زرت (انكلترا) لاول مرة بعد مرور حوالي عشرة سنوات على اخر مرة زرتها فيها... كنت مدعواً للمشاركة في المؤتمر الاوربي للمفاصل في مدينة كلاسكو في انكلترا.... وبعدها كان عندي دورة لمدة ثلاثة ايام في مستشفى (سانت ثوماس) في لندن... ورغم ان (محمدجنيد) كان قد دبر لي سكن في القسم الداخلي في المستشفى المذكور اثناء الدورة.....الا ان (محمد جنيد) اصر على ان ابيت في احدى تلك الليالي في بيته الجميل في شمال (لندن)...
في عام 2005 عندما ذهبت لانكلترا لحضور حفل تقليدي زمالة الاطباء الملكية البريطانية... فانني ايضاً التقيت ب(محمد جنيد) وهذه المرة كانت في بيته الجديد في مدينة برمنكهام ... واخذني بسيارته الى مدينة ليفربول حيث كنت احاول ان استعيد شهادة الجنسية البريطانية والتي كنت قد تقدمت بها لاثنتين من بناتي عندما كنت اعمل في بريطانيا... وساعدني (محمدجنيد)... في المراسلة مع دائرة الهجرة البريطانية ...وتمكنت في النهاية من الحصول على شهادتي الجنسية لهما....
في كل من عامي 2008 و2009 صارت عندي زيارات سنوية لانكلترا حيث استقر ابني وبناتي ...وكنت التقي باخي وصديقي (محمد جنيد) ... نستعيد ذكريات سنين طويلة.... ويجمع بيننا حب كبير... يكفي انني اسميت اثنان من ابنائي ...اسماءاً مشتركة مع ابنائه... .(ابراهيم ومصطفى),,,,,
الصورة ل لؤي زبوني,وجدي نقاشه,نزار الصفار اثناء حفل مرور30عام على التخرج


وجدي نقاشه
تمتد معرفتي ب(وجدي لويس نقاشه) الى فترة كلية بغداد حيث كان من الطلاب المحبوبين وصدف ان كان في نفس الشعبة معي لسنتين او اكثر... ثم جاء معي الى كلية طب بغداد...
في كثير من الاحيان كانت بيننا انا وجدي طلعات وصداقة بحيث اذكر عندما ذهبت معه الى محل والده في محلة السنك في (بغداد) حيث يملك والده محل كبير لتجارة اطارات وبطاريات ولوازم السيارات .. واذكر الترحاب العراقي الاصيل والضيافة التي احاطنا بها والده....
(وجدي ) انسان رائع.. بغدادي اصلي ... يحفظ الكثير من الطرائف والنكت والحكايات العراقية الاصيلة التي تجعله من الناس الذين لايمل مجلسهم وحديثهم... له (قفشات ) خاصة به لم اسمعها من شخص اخر ... عندما يتذمر من امر ما .. فانه يقول (عيشة ..تنشف البزر)!... اما القفشة الاخرى فهي باللهجة المسيحية المصلاوية (العجي اللي يعيش ينعغف من خرانو) ..)
عندما كنت اشتغل طبيب (رجسترار) امراض مفاصل في (مستشفى رويال باث) في (هاروكيت ) شمال ( ليدز) بحوالي نصف ساعة بالسيارة ... كان يعمل معي في المستشفى زميلنا وابن دورتنا (لؤي زبوني) .. وكان لؤي يحتفظ برقم تليفون (وجدي) ..وكنت افرح كثيراً عندما نتصل ب(وجدي) بين الحين والاخر...(وجدي) الذي كان يعمل في احد اقسام امراض الاطفال في اسكتلنده في اقصى الشمال... كنت اشعر بالحب العميق تجاه (وجدي) ... العراقي ... الاصيل.. الذي يمثل كل طيبة واصالة مسيحيي العراق...
كان (لؤي زبوني) يحضر لشهادة عضوية الكلية الملكية الباطنية ... وكان (وجدي نقاشه ) يحضر لعضوية الكلية الملكية البريطانية في طب الاطفال... وغادرت انكلترا في نهاية 1985 تاركاً (لؤي) في (هاروكيت)..... و (وجدي) في اسكتلنده... ثم فهمت فيما بعد ان كلاهما انتقل الى منطقة قريبة من (لندن) حيث حصل كلاهما على عمل في مجال اختصاصه...
في ذلك الوقت لم يكن لا (وجدي) ولا (لؤي) متزوجان... وكنت مطلعاً على حالهما وعرفت معلومة جديدة علي...تلك هي ان المسيحيين العراقيين هم اناس محافظون ...بل ربما محافظون اكثر من كثير من المسلمين .... فهم لايتزوجون من الانكليزيات الا ما ندر....ويمتنعون عن الزواج الى ان (يحصل النصيب) ويجدون الفتاة العراقية المسيحية المناسبة للزواج منها... فهم حالهم حال المسلمين... لايريدون الفتيات الانكليزيات اللواتي لايفهمن الحياة الزوجية او يحترمنها وليس لهن القيم الشرقية التي نحملها فيما يخص العفة والشرف... لذا فقد قارب عمر كل منهما ..وربما تجاوز كلاهما الاربعين حتى وجد كل منهم الفتاة المناسبة العراقية للزواج منها... وكانت فرحتيى كبيرة عندما التقيت ب(وجدي) في عام 2005 ليعرفني ب(ام مريم ) زوجته .. وفرحت كثيراً له فقد كان دوماً انساناً حبيباً ...رائعاً.... وكانت فرحتي الاخرى عندما عرفت ان (لؤي ) ايضاً قد تزوج اخيراً .. بعد ان كنت انا وزوجتي في ( ليدز) قد بذلنا المستحيل لتعريفه وتقريبه من بعض الفتيات المسيحيات الخلوقات.... اللواتي قدمن الى (ليدز) للدراسة وكانت تجمعنا بهن صداقة وود....
اخر ما حصلت عليه كان صور الحفل الذي اقيم في لندن بمناسبة مرور ثلاثين سنة على تخرجنا من كلية الطب .. وفيه صور ل(وجدي) ول (لؤي)... ولا ادري ان كان (وجدي) سعيداً الان في عمله وفي عيشته... ام ان حاله مثل حالي يعاني من (عيشه تنشف البزر)!

صورة لهاشم مهدي عليها دائرة اثناء العسكرية
هاشم مهدي الصراف
في احد الايام من بداية عملي في انكلترا كنت اتحدث مع احد الزملاء ابناء دورتنا...وكان يحكي لي ويتظلم من صعوبة امتحان معادلة الشهادة العراقية بالبريطانية (البلاب) وان الامتحان صعب الى درجة انه حتى (هاشم العظيم) لم ينجح من اول محاولة!!.. عندها عرفت ان لقبه (هاشم العظيم)!! ولم اكن اعرف انه يلقب بهذا اللقب حتى عرفت قصة اللقب .. اطلق عليه ايام الاقامة القدمى في الباطنية في مدينة الطب ......ايام كان جميع زملائه في الاقامة القدمى الباطنية يحضرون لامتحان الجزء الاول من عضوية كلية الاطباء الملكية البريطانية.. وهو امتحان من اسئلة متعددة الاختيارات .. يتم تصليحه الياً بواسطة الكومبيوتر.. وحسب ما اذكر فقد كان يحتوي على ستين سؤال من خمسة اختيارات اي من ثلاثمائة اختيار.... ولم امتحنه في بغداد لانني في الوقت الذي كنت مقيماً اقدماً في المفاصل... لم يكن الامتحان يجرى في العراق... وفيما بعد صار يؤخذ في بغداد وصارت بغداد المركز الامتحاني الاول المعترف به في الشرق الاوسط ... بعد مغادرتي للدراسة في فرنسا... ولذا فإن اول محاولة لي على امتحان الجزء الاول كانت بعد وصولي بريطانيا ونجاحي في امتحان معادلة الشهادة العراقية بالبريطانية ... ثم حصولي على وظيفة مقيم اقدم في الباطنية في مدينة (ليدز) في مستشفى (جابل اليرتون) ...وهناك بدأت خطواتي الاولى للتحضير لامتحان عضوية كلية الاطباء البريطانية الباطنية ........فشلت في محاولتي الاولى والثانية ... ثم نجحت في الثالثة ...
لقب هاشم .. ب (هاشم العظيم) .. و (هاشم العبقري) ...من قبل زملائه .. في اثناء التحضيرات للامتحان المذكور ... لقدرته الهائلة على استيعاب المادة العلمية .. مهما كانت واسعة .. وقدرته على الحصول على اعلى النسب من الاجابات الصحيحة ....
(هاشم) ايضاً وبسبب هدوئه وابتعاده عن الاضواء... لم اتعرف عليه بالشكل الكافي اثناء الدراسة في الكلية الطبية .. وبسبب التوزيع المستمر حسب الحروف الابجدية ... فانني لم يصدف ان التقيت به في ردهة طوال فترة الطبية...
بدأت اعرفه جيداً بسبب تسنمه مناصب ادارية عالية في الطب الباطني بعد عودته من بريطانيا بعد حصوله على شهادة عضوية الاطباء الملكية .... وصار (هاشم) احد اقطاب الطب الباطني في العراق....

سعد شاكر الدجيلي وخلفه سعد القصب


سعد القصب
(سعد القصب) كان شخصية مميزة ... تعرفت عليه في بداية دخولي الكلية ...وبقي صديقاً وملازماً لنا في سفراتنا ومناسباتنا المفرحة... من عائلة بغدادية عريقة... له ثلاثة اخوة كلهم اطباء... اثنان منهم اعرفهم وعملت معهم .. فؤاد القصب وسمير القصب.. والثالث اكبرهم هو عبدالخالق.. وكان يعمل في معهد باستور للمصول واللقاحات ... واذكره لانه صارت عنده مشكلة مع اقرباء صدام ..ال المجيد... بسبب انه قام باعطاء ابر مصول ضد داء الكلب لاحد اقرباء الرئيس .. ولكن ذلك لم يمنع المرض اللعين (داء الكلب) ... ومن بعده توفي المصاب ... وجاء اقرباء صدام من ال المجيد يهددون الطبيب ويتوعدونه ... ويتهمونه بالتقصير ..وهو لاذنب له وكانت محنة اصابت عائلتهم كلها لم يتخلصوا منها الا بمعجزة...
سمير القصب كان من ثلاثة دورات قبلنا .. وصار طبيب اختصاص في امراض العيون ........ وقد اشتهر في فترة من الفترات بسبب انه (اخترع ) طريقة لتقويم البصر بدون نظارات ..وانما باستعمال تمارين خاصة لتقوية عضلات العيون... وصار كثير من اللغط حول اختراعه... واستقبله صدام في مكتبه وظهر على شاشات التلفيزيون.. والطريف في الامر ان جميع (الاخوة القصب) الاطباء... جميعهم بما فيهم (سمير القصب) نفسه, مخترع طريقة تقويم النظر بالتمارين الرياضية, لم يكونوا يستغنون عن نظاراتهم ابداً!!
(سعدالقصب) كان انساناً متميزاً ... وشخصية فريدة... فهو نقٌاد لاذع.. لا يعجبه العجب...مهما كان الشئ...اي شئ كاملاً فإنه لابد سيجد له شيئاً ينتقصه فيه ويذمه.... يذكرك بشخصية الشاعر (الحطيئة) ...الذي كان لا يتوقف عن هجو احد.. وان لم يجد احداً يهجوه ..هجا نفسه... ولكن (سعد) كان يختلف عن الحطيئة كونه ينتقد بطريقة محببة وممتعة....لايزعل منها احد... وهو محبوب لدى الجميع ... واختلافه الاخر عن (الحطيئة) انه ليس له اية ملكة شعرية ..واي احساس بالوزن والقافية... ولا اظنه يستطيع ان يردد بيتاً واحداً من الشعر دون الاخلال بوزنه .. وكانت مشكلتنا معه انه يحب ان يشاركنا دوماً بالاغاني التي كنا نغنيها .. ولكنه كان لايحافظ على الوزن الشعري للاغنية .. فغالباً ما يضيف كلمة او يسقط حرفاً... و(تنلاص الاغنية)!!
كنت اتمتع كثيراً بمساجلات الهجاء بينه وبين (انور عبدالسلام) الذي كان شاعراً سليط اللسان ...ولكنه لم يكن يستطيع ان يصمد امام مقدرة (سعد القصب) على هجاءه.....
وكان احد جوانبه الفريدة ايضاً في شخصيته انه كان متحفظاً جداً في علاقاته مع فتيات دورتنا ..ومع الفتيات بصورة عامة .. ليس لانه كان متدين....وانا لم اعهد به متديناً... ولكن لان ذلك كان جزء من شخصيته..البنات في واد..وهو في واد اخر!!
بعد التخرج ..تمكن من مغادرة العراق بطريقة لم نعرف بها.. فلا اذكر ان كان خدم معنا في العسكرية ... وربما فعل.. ولكنه بالتأكيد غادر العراق قبلنا بكثير... وحصل على شهادة الطب الباطني البريطانية (ام ار سي بي) باسرع من اي واحد من دورتنا ... ولم يعد للعراق .. فهو استقر في السعودية .. ويبدو ان شخصيته الفريدة والمميزة وجدت لها تقبلاً شديداً عند العائلة المالكة السعودية (حسبما سمعته نقلاً عن بعض الزملاء...والعهدة على الراوي).. حيث عرفت انهم قربوه جداً حتى انهم صاروا يطلبونه لمرافقتهم في طائراتهم الخاصة عندما يذهبون للمعالجة في بريطانيا... مرة مع شيخة (فضة) واخرى مع شيخة (حصة) .. وثالثة مع شيخة (زوينه) ..حتى ان احدهم اخبرني ان اؤلئك النسوة لم يكن يرضين بأخذ اي علاج يكتبه لهم الطبيب الاختصاصي البريطاني.. حتى يراه (سعدالقصب) ويوافق عليه!. واظن اني سمعت انهم اعطوه الجنسية السعودية وصار مواطناً....
بقيت احب (سعدالقصب) ...واذكر كم كان متميزاً جداً ... حتى بطريقته بابداء عدم رضاه عن اي شئ... وانتقاده لكل شئ.. كان جزءاً لايتجزأ من مجموعتنا في السفرات .. وبقيت احبه واذكره بكل خير...
ولكن كانت هناك غصة في نفسي ..ولا استطيع ان اكتمها او ان لا اقولها.....وغصة مريرة ... انه في كل المحن التي مررنا بها في العراق... والحروب ... والمآسي ... لم يحاول ان يتصل او يتحرى اخبار اي واحد منا.... ربما كان له عذره ..ومشاغله في الحياة.... وربما كان لايزال يعيش معنا بقلبه... ويذكرنا واحداً واحداً بطريقته الخاصة... وربما عندما يصله اي خبر عن اي واحد منا... فانه سوف ينتقده ويهجوه ... بطريقته المحببة التي لاتزعل ولاتغضب احد ....

السبت، 10 أبريل، 2010



قاسم فاضل باقر
(قاسم فاضل باقر)... احد الطلاب في دورتنا ... اظنه في الاصل من ديالى... كان احد طلاب دورتنا النشطين في الدراسة وفي الفعاليات اللاصفية .. حيث كان يشارك في كل السفرات والحفلات التي تقيمها الكلية وكان احد الطلاب الذين يتركون الكثير من الاثر في الاخرين.. كان يلتقي بي احياناً في بيتنا في (حي دراغ) عندما كان يأتي لزيارة اقارب له هناك .. وكنا نقضي الساعات سوية نتحدث في مختلف المواضيع الخاصة والعامة....
بعد العسكرية انقطعت اخبار (قاسم) تماماً عني .. وبقيت اخباره مقطوعة الى ان تم تعيينه على ملاك كلية الطب ... استاذاً في الجراحة العامة .. عرفت فيما بعد انه كانت له مهارة خاصة واهتمام خاص بتطوير جراحة اورام الثدي .... كان له اساليب حلوة في تعليم الجراحة العامة ... وفي وقت قصير .. ربما لم يتجاوز الاشهر القليلة ... كان الطلبة يحومون حوله ليعلمهم المهارات المختلفة في علم الجراحة وفنونها.....
لا ادري متى ابتدأ (قاسم) في كتابة كتابه الاول الموجه لكلية الطب .. ربما في نفس الوقت الذي وصل الى كلية الطب فيه .. حيث انه ابتدأ بكتاب خاص موجه الى طلاب الطب في مراحل الاختصاص والمراحل الاولية .. يعلمهم فيه المهارات الجراحية ...
بعد ان اشتد النزاع الطائفي في العراق بعد الاحتلال البغيض... غادر (قاسم) العراق واستقر في بريطانيا... كان ذلك ربما في بداية 2004 ...وحصل على وظيفة في احد المستشفيات القريبة من (برمنكهام) في وسط انكلترا...
في عام 2005 وعندما زرت انكلترا ... دعاني (قاسم) لقضاء بضعة ايام في مسكنه الذي كان جزءاً من المستشفى الذي يعمل فيه .. اظن ان المدينة كان اسمها (ستوك اون ترنت) .. وهي مدينة رائعة بمعنى الكلمة ... تقع على نهر ترنت ... عبارة عن جنة خضراء وبساطاً من الزهور يحط بك في كل مكان... وكانت ضيافة (قاسم ) من اكرم الضيافات ... تمتعنا كثيراً بالخروج في تلك المدينة الجميلة... جربنا البعض من مطاعمها. كما اثبت (قاسم) انه بارع بشكل رهيب في الطبخ العراقي ...... وتعرفت على البعض من اصدقائه هناك.... كانت تغيير كبير واستراحة صغيرة لي من المآسي التي تركتها خلفي في بغداد والتي رجعت لها بعد ذلك باسبوع... قاسم احتفظ باسم الجد (باقر)... والذي يكتب بالانكليزية (بيكر) والتي تعني في الانكليزية الخباز... وهكذا تحول اسمه الان الى (مستر بيكر)....
انتقل (قاسم) فيما بعد الى مستشفى قريب من (لندن) .. التقيت به في العام الماضي... وتعشينا سوية في بيت صديقي (محمد جنيد)... ثم خرجت معه لاوصله الى القطار الذي سيأخذه الى المستشفى الذي يعمل فيه.. على ضواحي لندن... اخبرني انه اكمل تماماً مسودات كتابه في الجراحة .. وانه اوشك على طبعه... وبعد وصولي بغداد كان قد اتم طبعه واصداره ... وطلبت العديد من النسخ من كتابه كي تقتنيه مكتبة كليتنا في سلطنة عمان ...لانني واثق ان الطلبة سوف يجدونه من الكتب المفيدة جداً لدراستهم....
وسيم خالد
لا اظن انني يمكن ان اذكر دورتنا دون ذكر وسيم خالد... ذلك الشاب الذي ينطبق اسمه على شكله .. فقد كان شاباً وسيماً ... انيق المظهر .. يهتم كثيراً بملابسه ... يرتدي دوماً اخر الصيحات في الملابس الشبابية ( وقد كانت كثيرة في وقتنا).. وسيم كان نشطاُ في كل مناسبات الطبية .. ولكني لايمكن ان انساه في نشاط مهم ..وهو مسؤولية مدير (سينما الكلية )...
نعم!..نعم!. كان عندنا (سينما) في الكلية ... تقدم عرض او اثنين كل اسبوع... اظن ابتدأ ذلك عندما كنا في الصف الثالث .. وربما توقف ذلك عندما كنا في الخامس.. اي انها حسب ما اذكر استمرت لمدة سنتين... وللاسف ليس عندي عنوان البريد الالكتروني ل(وسيم) للتأكد من دقة المعلومة...
المهم في القضية .. ان (اللجنة الفنية ) في الكلية رأت ان هناك كل الامور المهيئة لعرض افلام في الكلية... فنحن عندنا قاعات على شكل مدرجات تتسع لاعداد كبيرة من الطلاب... وتم اختيار قاعة (التشريح ) لذلك الهدف... كان عندنا من دورتنا احد زملائنا اسمه (علاء شريف) عرفت فيما بعد ان والده كان يملك سينما (غرناطه) ..وربما اكثر من سينما...وكانت سينما (غرناطة) عروس السينمات وتعرض النخبة من افلام هوليوود الحديثة.... وهو مستعد للمساعدة في تهيئة قدوم آلة عرض الافلام... مع الفنيين المشغلين لها.... وكذلك احدث الافلام الاجنبية التي تصل بغداد والتي تعرض عادة في الصالات الراقية...
اذاً فكل الذي نحتاجه هو الاعلان عن الافلام .. وطبع تذاكر خاصة بها...
وتم عرض اول الافلام ... بنجاح منقطع النظير... كانت القاعة تغص بالطلاب والطالبات ... حيث تم اختيار ساعات العصر ..بعد انتهاء المحاضرات .. لعرض تلك الافلام....
كنت انا و(سعدالفحل) نحضر معظم تلك الافلام ... وكنا ندخل مجاناً بدعوى اننا اعضاء في (اللجنة الفنية ) في الكلية... وكان (وسيم خالد) يدخلنا بدون تذاكر وهو يبتسم... فمن يمكنه ان يرفض دخولي ودخول (سعدالفحل)؟ ..ونحن الاوائل في كل عرض مسرحي وفي كل سفرة و مهرجان وفعالية لا صفية تحصل في الكلية؟.. وكانت تلك متعة وفرصة رائعة لي .. شاهدت فيها كل الافلام العالمية التي فاتتني مشاهدتها في السينما.... (انتظر حتى الظلام ...لاودري هيبورن) .. (الى استاذي مع التمنيات .... لسدني بواتييه)...(دكتور زيفاجو.... لعمر الشريف)... (سايكو... رائعة الفريد هتشكوك)... (كات باللو.... لجين فوندا)....الكثير .. الكثير من الافلام التي حازت على كل الجوائز واعتبرت كلاسيكية القرن العشرين....
(وسيم خالد) الشاب الانيق الوسيم... خدم العسكرية معنا ... ثم اختفت اخباره عني... والتقيت به بعد سنين طويلة في مدينة الطب ..حيث شغل منصباً ادارياً ..في المديرية العامة للمدينة.. عرفت انه تخصص في احد فرعيات الطب .. ولكن براعته في الادارة جعلته دوماً يحتل مناصب ادارية الواحد تلو الاخر ... وبعد مدينة الطب اذكر انه صار مدير ادارة في ( مستشفى ابن البيطار لجراحة القلب)...


سوران اكرم جاوشلي
سوران من الطلبة الذين كان اسمهم فقط يوحي بكونهم من اصل كردي..اما في بقية تفاصيل حياته فهو لم يكن يختلف شعرة عن اي عربي منا.... فهو كان من العراقيين الحقيقيين الذين لايملكون اي نزعة عنصرية او طائفية... طالب مثله مثلنا يحمل نفس همومنا و احلامنا و افكارنا... كان انساناً من اطيب الزملاء .. وكان دوماً معي في المجاميع التي عملت فيها لكونه بنفس حرف السين .. وكنت دوماً اجده من احسن الزملاء واكثرهم تعاوناً وحباً للخير...
اذكر من ايام الطبية ان سوران تقدم لخطبة زوجته عندما كان لايزال طالباً معنا في السنة الخامسة او السادسة .. وانه عمل لنا حفلة بمناسبة خطبته... حفلة كانت بسيطة ولكنا استمتعنا بها كثيراً ..فهاهو احد زملائنا يدخل القفص الذي نخاف منه جميعنا....
بعد التخرج اختفت اخباره... لالتقي به في الدعوة التي عملها ابناء دورتي لي في مطعم (مسكوف ) في لندن.. هو حصل على الجنسية البريطانية وهو احد الاطباء الاختصاصيين في لندن... ولم يتغير .. بقي نفس الشخص الطيب..الكريم.. المحب للاخرين ...المتجاوز لكل عنصرية او طائفية....




نوفل نذير
نوفل تعرفت عليه في كلية الطب ... كان ابناً لاحد الضباط ويسكن مدينة الضباط في منطقة (زيونة)... كان (نوفل) من الطلاب الذين لهم حضور في كل المناسبات.. يعشق النكته والمواقف المضحكة... وكان يشاركنا في الكثير من الفعاليات اللاصفية...
من الاشياء التي لن انساها هو سفرة (الاوتوستوب) التي ذهبنا فيها عندما نجحنا من الصف الرابع الى الخامس... ركبنا قطار طوروس .. كان نوفل قد اتفق على مرافقة احد زملاءنا (حيدر مجيد) ... وانا اخذت معي (سعد الفحل) وفي عصر احد الايام انطلق بنا قطار طوروس من محطة غربي بغداد متجهاً نحو تركيا.... كانت تجربة رائعة ان نبقى في مقطورتنا لمدة ثلاثة ليالي كاملة .. نضحك ..ونأكل..ونتعارك... ونتصالح...
اظن اننا نزلنا في احد دور الشباب في اسطنبول.. وبعد يومين او ثلاث ذهبنا الى الحدود (ادرنه) التي تفصل تركيا عن بلغاريا... هناك تفرقنا ...والتقينا ثانية في (صوفيا) عاصمة بلغاريا...
في صوفيا .. كنت انا و(سعد الفحل) مشتركان في نفس الخيمة الصغيرة التي املكها .. كما قام (نوفل) وصاحبه باستعمال خيمتهم للمرة الاولى ... نزلنا في مخيم سياحي جميل في احدى الغابات الغناء في صوفيا....
في المخيم التقينا.. واحببنا ...فتاتين ... (تينيكا و انيكا) كانتا هولنديتان ... وكانت لنا امسية طويلة معهما...وشعرنا نحن الشباب الاربعة من العراق .. اننا وقعنا في حب تلك الفتاتين ..واللواتي جلسنا نتحدث ونرقص ونغني معهن في المخيم حتى الصباح ...
في اليوم التالي جاءت الفتاتان الي وطلبتا ان كان اثنان منا يرغبان بمرافقتهما الى المدينة بسيارتهما....نظرت الى اصحابي ...نحن اربعة ...وان ذهب اثنان معهن فان الاخران سوف يحزنان وسوف يحصل شئ في قلبهما...وشكرت الفتاتين وقلت لهما اننا نحن اربعة ولايمكن لاثنان منا ان ينفصلا عن الاخرين ..وتحركت الفتاتان لوحدهما ..لا ادري ان كن يتوقعن هذه الاجابة ..ولكنها كانت الحل الوحيد كي لا يزعل احد من بيننا .......
بعد بلغاريا .. افترقت بصاحبي (سعد) ... عن (نوفل و حيدر)... اذ ان احد ابسط القواعد في الاوتوستوب انه لايمكن ان يقوم به اكثر من شخصان فقط...وتكون نسبة النجاح اكبر ان كانت احدى الاثنين فتاة ... فالناس يخافون من الشباب الواقفين على الطريق يؤشرون للسيارات فالبعض يتصورهم مجرمين او مدمنين مخدرات.. اما ان كانت مع احدهم فتاة شابة .. فعادة تكون عملية الاوتوستوب اسهل بكثير....
بعد ثلاثة شهور .. التقينا ثانية في ساحة كلية الطب ...وكل منا له تجربة رائعة في ذلك الصيف ... والكثير .. الكثير من المفارقات والمغامرات المضحكة ..كنا نحكيها بزهو وتفاخر امام زملائنا الذين كانوا اقل منا حباً للمخاطرة والمجازفة.....
(نوفل نذير الشريف) اختفى بعد العسكرية... ثم عرفت انه حصل على تعيين في كلية الطب على قسم الفسلجة .. ثم ارسل الى بريطانيا لجلب شهادة الدكتوراه في الفسلجة ... ولكنه بعد حصوله على الدكتوراه اكتشف مدى عشقه لطب الاطفال ..وابتدأ برحلة جديدة للحصول على شهادة اختصاص في طب الاطفال...
(نوفل) لايزال لحد الان يسكن ويعمل في لندن...وهو واحد من خيرة اطباء الاطفال في بريطانيا... عندما التقي به ..وانا الان التقي به كل عام... لانملك الا ان نتذكر تلك المغامرة ..عندما خرجنا في رحلة اوتوستوب الى اوربا...وحبنا للفتاتين الهولنديتين (تينيكا وانيكا)..


ماسونية ...ماسونية
كنت قد حكيت في الرسالة السابقة كيف جئت الى فرنسا في بداية عام 1979..وكيف درست اولاً في معهد اللغة الفرنسية العامة لمدة ستة شهور.. ثم بعد ذلك بدأنا معهداً جديداً لاعدادنا للغة الفرنسية (العلمية)...بعد حوالي الشهر من كورس اللغة العلمية..... طلب المدرسون من كل واحد منا ان يعمل محاضرة تعريف عن بلده يقوم بتقديمها امام زملاءه... وقمت بتحضير الكثير من الكلام عن العراق... وكنت مستعداً لذلك لانني قبلها وعند ذهابي في العطلة الى بغداد جلبت معي الكثير من الشرائح الخاصة ببغداد (سلايدات ملونة)...لذا فقد اعددت محاضرة جيدة عن العراق... وقمت بعرض كل مايمكن الحديث عنه عن بلدي...
ولكن عندما قام صديقي (ال موررا) والذي جاء من (كوستاريكا).. عندما قام بعرض محاضرته عن (كوستا ريكا) فقد حصلت حركة غير طبيعية.. اذ ان المحاضرة اعلن عنها...باعلانات واسعة...على انها ستقدم في قاعة الاحتفالات الرئيسية من جامعة العلوم والتكنولوجيا ..وحضرها رئيس الجامعة وعميد كلية العلوم ..واساتذة العلوم ..وجمهور غفير من الناس.. وكان هناك تصفيق كثير...وتكريم.!!
كان الوضع مريباً... قدم صديقي (ال موررا) محاضرته .. وكان هناك تصفيق قبل وبعد المحاضرة وتهاني من رئيس الجامعة ومن العميد!! بقيت اتسائل عن سر الاهتمام الشديد الذي حصل لمحاضرته .. اذ اننا جميعاُ ..الطلبة العشرون في الصف... كانت العادة لنا جميعاً ان المحاضرة تجري في اطار غير رسمي في نفس غرفة الصف ..ولا يحضرها احد عدانا نحن الطلاب العشرون..
كنت اتغدى شبه يومياً معه هذا (ال موررا) .. فقد كان انساناً لطيفاً جداً ... ومحباً جداً ... وعلى الاقل في موقفين سابقين ... وقف علناً ..وفي داخل الصف.. للدفاع عن العرب وعن المسلمين بشدة..وكان ذلك عندما شعر ان المدرس يستعمل بعض الالفاظ الساخرة من العرب والمسلمين...وقف ودافع بشدة... وعندما سأله المدرس عن السبب الذي يجعله يدافع عن العرب بهذه الضراوة وهو ليس عربي؟ اجاب بان لقبي (ال موررا) ..وهي بالاسبانية تعني المغربي .. او العربي.. .واجدادي هم من العرب الذين طردوا من الاندلس...هم ممن جلبوا النور والحضارة الى اوربا.....واعجبت به اكثر
في احد الايام وفي اثناء غدائنا سوية في المطعم الطلابي....باح لي باشد اسراره.... ولا اظن انه كان يجب عليه ان يبوح باسراره... اخبرني انه عضو متقدم في (المحفل الماسوني) في (كوستاريكا)... صعقت للخبر..واخذت انا بدوري احكي له كيف ان الماسونية هي عدو لنا نحن العرب والمسلمين... وكانت فيما يبدو تلك اول مرة يكتشف بها ان هناك عداوة بين الماسونية وبين العرب والمسلمين.. وكنت ارى القلق والاحباط على وجهه ...هو المؤيد المستمر للعرب والمسلمين ......وفي وقتها فهمت السر في الاهتمام البالغ الذي احاط الجميع محاضرة صديقي بها ..كن ماسوني ..تنل الاهتمام !!...
اذاً هذه هي المرة الاولى التي التقيت بها بالماسونيين ...
في عام 1982 عندما كنت في بريطانيا...طلبت مني الاستاذة المشرفة على دراستي في (المفاصل والتأهيل الطبي) الدكتورة (ان تشمبرلين).. ان اقضي يوماً في جنوب فرنسا في احد المراكز الخاصة بالتأهيل لمرضى الشلل النصفى والجلطة الدماغية...
وصلت المركز ...لا اذكر اسم المدينة ولكنها كانت على الشاطئ الشرقي الجنوبي من بريطانا...واستقبلني مدير المركز... ثم سلمني الى عدد من مساعديه .. كل واحد منهم يدور معي في احد الاقسام ويشرح لي.. وكان اتفاقي مع مدير المركز (الذي نسيت اسمه).. ان التقي به في الثانية بعد الظهر حيث يأخذني الى مكان نتغدى فيه سوية... وفعلاً بعد نهار متعب من المحاضرات عن المصابين بالشلل النصفي والطريقة الافضل لعلاجهم ... اخذني بسيارته الى نادي راقي جداً... دخلت معه الباب الرئيسي وكان من الواضح ان هناك من يحرس الباب لمنع المتطفلين ... كان هناك طاولة طعام طويلة جداً في قاعة فارهه.. ربما كانت الطاولة تتسع الى ثلاثين او اربعين شخصاُ ..فهمت اننا جالسين ننتظر (الرئيس) .. وبعد فترة قليلة .. جاء شخص يرتدي بدلة رسمية ويتوشح بوشاح ووسام من الذهب كبير الحجم.. ونهض له الجميع ...ونهضت انا ل(الرئيس) ...وبعدها جلسنا ..وبإشارة من يده ابتدأ غدائنا....
عرفت من مضيفي ان المكان الذي نحن جالسون فيه هو (نادي الروتاري)... كانت هناك شعارات لعجلة فيها ستة اوتاد.. منتشرة على الحيطان في كل مكان... سألت مظيفي عن ماهية (الروتاري) هذه؟ اجابني على انهم جمعية انسانية تقوم باعمال خير في مختلف انحاء العالم ... لاتقبل ان يتسجل فيها الا من كان من خيرة المجتمع ...وبالتالي فانها توظف جهود هؤلاء النخبة الى عمل الخير والاحسان والمشاريع التي تساعد المحتاجين والمعوزين.... ولكني فهمت انهم يقبلون الرجال فقط في هذا النادي ...دون النساء... وشعرت ان هناك بعض الريبة في افكار وممارسات هؤلاء القوم....
الى هنا وكان الكلام مقبولاُ ..رغم ان شكل جميع الجالسين ببدلاتهم وكروشهم المتهدلة .... لايوحي بكونهم من فاعلي الخير... اما وجبة الطعام والخدم الذين يخدموننا فلم تكن هي الاخرى توحي باي شئ له علاقة بالاحسان وفعل الخير.... سأل الرئيس والذي لم يكن بعيداً عني ... سأل المضيف عني ...من انا ومن اين ؟ اخبره انني طبيب دراسات عليا..وانني قادم من العراق... وفجأة تغير وجه (الرئيس) واخذ ينتقد حكومة العراق بشدة وبعنف ... على دور العراق في القضاء على (اخواننا) من الماسونيين وعلى معاقبتهم بالسجن وملاحقتهم ...وايذائهم..
وصلت لي الفكرة... اذاً ال(روتاري) كان ايضاً شكلاً من اشكال (الماسونية)...وهو امر كنت شبه متأكد منه في اللحظة الاولى من دخولي ذلك المكان المريب ....
بعد هذه التجربة بسنوات .... وبعد عودتي الى العراق بسنوات طويلة ... صرت صديقاً لاحد الاطباء الاختصاصين الاردنيين في الطب... وعزمني الى احد المطاعم للعشاء... عندما اخبرني سراً... انه ماسوني تائب! اخبرني انه التحق بالمحفل الماسوني في الاردن ..وهو محفل يستقبل فقط علية القوم وخيرة الاختصاصيين.... وانه في مراحله الاولى في التسجيل في المحفل ..عندما ادخلوه وقد سدوا عينيه بقطعة قماش ... وادخلوه وهو يمشي بطريقة خاصة ....ثم اوقفوه ليعلنوا له بداية انتماءه الى الماسونية...
اخبرني انه في بداية علاقاته مع الماسونية دلوه على طريقة (شفرة خاصة) يصافح بها الماسوني الناس ... وهي شفرة لاينتبه لها الا من كان ماسونياً مثله ... وبذلك تنشأ علاقة سرية بين هذين الشخصين حيث يعرف كل منهما ..دون الاخرين ...ان صاحبه ماسوني مثله ..
اخبرني انه في مناسبة تتويج (جلالة الملك) ذهب صباحاُ للتهنئة في مجلس الوزراء ... وقد هاله العدد الذي كانوا يصافحون يده بطريقة الماسونيين.... من الوزراء ووكلاء الوزارات!!
يحكي لي صاحبي انه تاب وخرج من الماسونية بسرعة بعدها.... ولست ادري ماحصل وكيف امكنه التوبة والخروج من هذا التنظيم السري اللعين....
فرنسا... فرنسا
كما سبق قد ذكرت اني وصلت الى فرنسا في 14 او 15 من الشهر الاول من 1979 كانت الدنيا مقلوبة... والاخبار جميعاً تتحدث عن عودة (الخميني) الى ايران من البيت الذي كان يشغله في (باريس) تحت الحماية والرعاية الفرنسية ! ... وكانت الصحف تكتب في صفحاتها الاولى انباء انتصار الثورة في ايران.... وهروب الشاه...
وصلت الى مدينة (مونبليه) على البحر المتوسط ... في اقصى جنوب فرنسا... حيث سيكون تدريسي اللغة الفرنسية اولاً... ثم يتبعها الاختصاص في الطب... قضيت ثلاثة ايام في الفندق ( (اوتيل دو باليه)..فندق القصر)... وبعدها كنت ادور في سيارة احد العراقيين النجباء (رسول حربي الزبيدي) .....ذلك الانسان الرائع الذي كان يساعد جميع العراقيين القادمين الى هذه المدينة ....وجد لي شقة في منطقة على ضواحي مونبليه (لابايياد)... شقة كان سعرها مناسباُ..وجميلة جداُ ..من غرفتين في الطابق الثاني عشر من احد الابراج! (تور فون ديل ري)..وانتقلت اليها مباشرة ...
مرت دروس اللغة الفرنسية على احسن مايمكن.. فقد كنت اتنافس مع احد الامريكان الذي كان تعيينه مديراً لليونيسيف في (دكا) في (السينيغال)... ولكن الامم المتحدة اعطته ستة شهور في فرنسا...وبسخاء... لتعلم اللغة الفرنسية لكونها اللغة الرئيسية في ال(سينيغال)... هذا كان في نفس عمري تقريباً...وكان منافسي الوحيد في الصف ... رغم انه كان يأخذ دروس خاصة مكثفة في اللغة بعد الدوام ايضاً ... اما انا فقد كنت احصل على نسخة من جريدة مجانية توزع في كل مكان .. وفيها برامج التلفيزيون .. وتحكي نبذة عن الفيلم او عن البرنامج المزمع عرضه.. وباستعمال قاموس اقوم بترجمة كل ما ورد عن البرنامج او الفيلم... ثم اجلس لمشاهدة الفيلم في تيلفاز شقتي ...واحياناً وبواسطة جهاز تسجيل صوتي صغير..اقوم بتسجيل الحوار المعروض على التلفيزيون....ثم اعادة الاستماع عليه مراراً وتكراراً..... وهكذا فقد كانت مشاهدة التلفيزيون ايضاً جزءاً من دروسي اليومية .. اضافة الى محاولتي التقليل من الاختلاط بالعراقيين ...وكانوا كثيرون جداً في مونبليه في تلك الفترة .. الكثير منهم جاؤا للدراسات الانسانية مثل السياسة والقانون .. والقليل فقط ممن جاء لدراسة الفيزياء.. وانا كنت الوحيد الذي جاء لدراسة الطب ..وكان ينظر الى على انني مجنون مقبل على الانتحار.. بسبب صعوبة الدراسة الطبية هناك!! (بعدها جاء احد الاطباء لدراسة طب الاطفال ..بقي في الدراسة ستة اشهر ثم استحصل تقرير طبي بكونه مصاب بكآبة حادة وشديدة... وعاد الى العراق... هذا شهدته بنفسي واطلعت على تقرير الطبيب بالكآبة بنفسي بل وانا الذي ذهب الى عيادة ذلك الطبيب وتوسطت لزميلي بان يحصل على تقرير باصابته بالكآبة الشديدة.... ولكن العجيب والغريب انني وبعد عودتي من بريطانيا ...وجدته..نفس الشخص .. وقد وضع لافته على عيادته انه حصل على الاختصاص بطب الاطفال من فرنسا!!)
كانت المدموزيل (مينارو) مدرستي المحببة.. وكانت الدروس لمدة ثمانية ساعات يومياً تتخللها فترة ساعة للغداء... وكلها بطريقة الوسائل السمعية المرئية ... وبعد اسبوعين من وصولي الى (مونبليه) كنت خلالهما (اطرش واخرس) في فرنسا... صرت استطيع ان اكلم الناس وافهم مايجيبون وكنت سعيداً جداً بذلك... كانت انسانة رائعة ...مدموزيل (مينارو) ...كانت لها طريقة متميزة في تفهيمنا اللغة ......كانت لاتبخل بأي جهد لتوصيل المعلومة واللفظ الصحيح لكل واحد منا ...تعمل بكل اخلاص... ولا ازال اذكر الدموع التي نزلت من عينيها عندما زرتها بعد ذلك بعام و اهديتها نسخة من اطروحتي....وعندما علمت انني اهديت اطروحتى التي كتبتها في (الطب الرياضي) ...والتي كتبتها باللغة الفرنسية ...اهديتها الى ثلاثة اشخاص ... احدهما كان (مدموزيل مينارو).....
بعد حوالي اربعة شهور تم انتقالنا الى نوع اخر من دروس اللغة.. فقد اكملنا اللغة الفرنسية الاساسية وتحتم علينا الانتقال الى مكان جديد...ذلك هو (جامعة العلوم والتكنولوجيا )... حيث هناك يعطوننا شهران مكثفان في مادة (لغة العلوم الفرنسية) .. اي ان التركيز فيها هو كيفية استعمال المصطلحات العلمية في اللغة الفرنسية... كانت تلك كارثة لانني لم اكن احب لا المدرسين ولا المادة ...

عجيل محمود العجيل
وصلتني الرسالةالتالية من الاخ العزيز الدكتور عجيل ا لعجيل

الاخ العزيز سامي
وعليكم السلام ورحمة الله,
اعتذر جدا فلم اشاهد هذا الموقع الا البارحة
كم هو جميل وكم انت رائع يااخي العزيز , اهنئك على هذا المجهود الكبير واللغة السلسة واشكرك على اطراءاتك
شكرا لك مرة اخرى على الصورتين الجميلتين اعلى هذا الايميل وان كنت اتذكر جيدا فهذا المكان هو الراشدية حيث خرجنا سوية في سفرة وقد كان الغداء قوزي على تمن طُبخ في محل ابو زهير في الاعظمية وقد قام للتنظيم صفاء العبيدي, كم كان ذلك اليوم جميلا وعزيزا على الذاكرة .
ارجو ان تتقبل بعض تصحيحاتي فاسمي عجيل محمود العجيل, وداود هو جدي
اما اصلي فليس من الرمادي مع اعتزازي الكبير بهذه المدينة الشريفة التي خدمت بها 12 عاما بعد رجوعي من انكلترا
وانما ولدت في مدينة بغداد و ترعرعرت في نفس البيت الذي ترعرع فيه والدي وجدي في منطقة الست نفيسة في الكرخ من بغداد
اما اصلي البعيد وموطن قبيلتي فهو قرية بروانة في حديثة في محافظة الانبار.
نعم انا جدا فخور بدراستي في كلية طب الموصل التي كانت من احسن كليات الطب في المنطقة العربية وفخور جدا بدورتي التي تعرف انت اكثر خريجيها وهم الان اطباء واساتذة اجلاء اذكر منهم عوف عبد الرحمن قبع جراح التجميل المعروف على مستوى عالمي وزوجته عواطف النافوسي طبيبة علم الامراض التي لاتقل عن عوف ذكاءا وشهرة وانت طبعا تعرف اياد الرمضاني الذي هو غني عن التعريف وكذلك اياد الحكاك وكذلك الهام خطاب ومحمد جنيد صلاح الدين وزهير فاضل وعبد الكاظم الجابري وذو الكفل وازهر سليمان وناطق النعيمي ومحمد مكية وطه الراوي ومهدي رحمه الله الذي يجلس بالزي العسكري في الصورة على جهة اليمين. وبعض المشاهير الاخرين الذين بداوا دراستهم في الموصل وانهوها في بغداد مثل معن الخضيري ويسار الشماع.
نعم الحمد لله لقد عرفتك على محمد جنيد الذي كان زميلي في الاول والثاني المتوسط وكذلك في الكلية وهو اقدم اصدقائي وانا اعتز به جدا وانا اذكر مرحلة التحول التي مررت بها من حياة الفرفشة الى التدين اثناء شهر رمضان الذي مر علينا في تموز 1974 في مدرسة الطبابة في بغداد وكيف ان سعد الفحل كان يخاطب نوفل نذير ونحن جالسون على الارض في مدرسة الطبابة ويقول له : هل تعلم بان سامي اصبح يصلي ويصوم فاجابه : يبدو انه مخيل على وحدة محجبة.. وكيف ان سعد الفحل هداه الله كان يقول لك: اخوية سامي انت فسدتني وبعدين انت تبت وراح تخش للجنة واني اخش للنار.

نعم مرة اخرى وانا لله الحمد فخور بهذا فقد نجحت في عمادة كلية الطب في الانبار ونقلت بعدها الى طب المستنصرية في عام 96 وبعد سنتين اصبحت رئيسا للقسم وعرضت علي عمادة طب المستنصرية ولكني رفضت وغادرت العراق في حزيران 2000.
ولكني لست الوحيد من هذه الدفعة الذي اصبح عميدا فالمرحوم الدكتور رعد عبد الجبار البكوع تولى عمادة كلية الصيدلة في جامعة الموصل وهو ايضا من خريجي جامعة الموصل وهو حائز على شهادة الدكتوراه بعلم الادوية من انكلترا على مااظن وقد كان رحمه الله رجل كريم الخلق حلو المعشر وهو صديق حميم لاياد الرمضاني وقد ساهم مع اياد الرمضاني بتنمية لعبة التنس في كلية طب الموصل.
اخي سامي عند لقائنا كما ذكرت انت في 2002 سالتني كيف تغادر العراق وانت تريد ان تشاهد نتيجة الفلم فقلت لك ساشاهده على الفضائيات وللاسف كانت النتيجة اقسى بكثير مماتصورنا , حفظك الله ورعاك وحفظ العراقيين كافة ودورة الاطباء المتخرجة في عام 1973.
سارسل لك بعض الصور لفترات جميلة

عجيل محمود العجيل
عجيل محمود العجيل
(عجيل محمود العجيل) هو ليس خريج طب بغداد ولكن طب الموصل.. ولكنه كان وثيق الصلة جداُ بطلبة طب بغداد .. وزادت علاقته وثاقاُ في فترة العسكرية.. حيث اثبت للجميع كم هو انسان رائع..
(عجيل العجيل) من الرمادي اصلاً ولكنه ولد وعاش في بغداد في (المنصور حي دراغ)... ودرس في (طب الموصل) ....وكان من خيرة الطلاب في الموصل....كان جار لي في حي دراغ...وكانت متعته الدائمة اللقاء بي اثناء اجازاته ...ثم الوقوف ساعات يقارن بها ما يتعلمونه في الموصل ...بما نتعلمه في بغداد.....كان معتزاً وفخوراً جداً بدراسته في الموصل.....
بعد التخرج...وفي اثناء الخدمة العسكرية ...كان ل(عجيل) فضل كبير علي..حيث عرفني على الانسان الرائع الاخر ...خريج دورتنا من طب الموصل وهو (محمد جنيد صلاح الدين)....كان (محمد جنبد) يأتينا بسيارتهم ال (لادا).... وكنا نذهب فجر كل صباح الى المعسكر للتدريب في مدرسة الطبابة العسكرية في داخل معسكر الرشيد في محلة (الزعفرانية ) في بغداد....كان لكلاهما ...(محمد جنيد وعجيل العجيل) الفضل الكبير في انتشالي من حالة الضياع الذي كنت اعيشه ..وفي اعادتي الى الصلاة... والى اتباع منهاج الاسلام كمنهج لحياتي .... وهو ما استمريت عليه من ذلك الوقت والى الان والحمد لله......
ثم وبعد الاقامة القدمى ذهب (عجيل العجيل ) الى بريطانيا حيث حصل على شهادة (عضوية الملكية البريطانية الباطنية)... وعاد الى العراق .. حيث عمل طبيب اختصاص في مدينته الام في الرمادي.. ثم صار عميداَ ل(كلية طب الانبار) بعد تأسيسها...
في عام 1988 او 89 كان هناك مؤتمر طبي اول في الرمادي وذهبت الى هناك مع الاستاذ (زهير قصير) حيث قدمنا محاضرات هناك ..واعجبنا بالمستوى العلمي الذي وصلت اليه مدينة مثل الرمادي .. وكان (عجيل العجيل) اللولب الرئيسي للجنة العلمية في المؤتمر المذكور ...
حسب ما اذكر فإن (عجيل) نجح بشكل رائع في منصب عميد كلية الطب ... وقام به على افضل وجه... بل انني يمكن ان اقول جازماً انه الوحيد من دورتنا (رغم كونه خريج الموصل وليس بغداد) الذي وصل الى منصب (عميد كلية طب)... حيث لم يحصل على مثل هذا المنصب المرموق اياً منا ...سواء من يعمل داخل العراق...ومن يعمل خارجه...
كان (عجيل) مرشحاً ايضاً ان يكون عميداً لكلية طب الجامعة المستنصرية ....بسبب نجاحه الباهر في عمادة (كلية طب الانبار).... ولكني اعرف ان المعوق الرئيس امامه كان ...كونه مسلماُ ملتزماُ متديناً...وكونه لم يكن بعثي... ففي العراق في تلك الفترة ... ان لم تكن بعثي فانك لن تصل الى اي مركز مرموق ....مهما كانت بحوثك ومستواك العلمي.. وحتى لو كنت (البرت اينشتاين) بلحمه ودمه...
ولكن يجب ان يقال الحق ايضاً....ولكي لانخلط الاوراق..... انا ايضاً لم اكن بعثياً... مادمت انت انسان علمي ولا تتدخل بالسياسة او تطلق لسانك بالكلام الممنوع وتتجاوز الخطوط الحمراء .. فإن احداً لن يتعرض لك بأذى ... ويجب ان تعرف الحدود التي سوف يمكن ان تصلها .. فانا عرفت حدودي.... لم اكن احلم حتى ان اكون رئيساً لفرع الطب في كلية الطب في طب بغداد لكوني غير بعثي ..( انا الان رئيس فرع الطب في كلية عمان الطبية) .. (والمرة الاولى التي عرض علي منصب رئيس فرع الطب في كلية الطب في بغداد....كانت بعد الاحتلال...ورفضت الترشح للمنصب... للخطورة التي يحملها اي منصب في ذلك الوقت ...بسبب بدأ الفتنة الطائفية...خصوصاً وان لقبي المدون في هوية الاحوال المدنية هو (التكريتي)!)..... اما ان تصل الى مركز (عميد كلية طب ) وانت لست بعثي فهو يعني أمران في وقت واحد... إنها ستكون معجزة... ومعاناة مستمرة في آن واحد... سوف ترى التنظيم الحزبي في الكلية يفرض عليك بعض الامور ويحاول ابتزازك في كل وقت وفي كل مناسبة ...... وهذا الخوف من الابتزاز هو الذي دفع بالكثير من العلماء المرموقين الى الانتماء الى الحزب .. لكي يحموا انفسهم من الابتزاز ....وذلك بالدخول بآليات الحزب وتنظيمه وبالتالي كيفية مقاومة الابتزاز.... اما ان لم تكن حزبياً ... فانها معاناة مستمرة ...كما حصل دوماً معي ... وكما حصل مع زميلنا وصديقنا (عجيل) ... واضطر (عجيل) في النهاية الى مغادرة العراق وحسب ما اذكر في عام 1998... والعمل في ليبيا... والتي يعمل فيها الان ومضى على ذلك ربما اثني عشر عام ... او اكثر....
عندما جاء يزور بغداد في عام 2002 اتصل بي ...وخرجنا نتعشى سوية..... نصحنى...مجدداُ..... ان اغادر العراق واجد عملاُ في مكان اخر ... فجميع التقارير والاخبارتؤكد ان امريكا تعد العدة للحرب على العراق...وهذه المرة لن تكون كسابقاتها....لن يبقى الحكم كما هو ...ولااحد يعرف ماهي السيناريوهات المعدة..... وارض الله واسعة كي نهاجر فيها..... كان ذلك في بيت اخونا وصديقنا المشترك (محمد البغدادي)...... ولكني قلت له وانا اضحك ... ان مثلي كمثل شخص جلس يتفرج على احداث فيلم ... فيلم مغامرات.. فيه الكثير من الاحداث والعنف.... وهذا الفيلم اوشك على النهاية ... هو في الربع ساعة الاخيرة... فهل تظن ان المتفرج سوف يخرج من الفيلم ويغادر القاعة؟

الثلاثاء، 6 أبريل، 2010



عبدالعال العلوان
عبد العال كان من الشباب النشطين في كليتنا ... كان يساهم في الرياضة وفي الفعاليات المختلفة من سفرات ومهرجانات... كان حسب علمي من الطلبة المجتهدين ...ولكنه ايضاً كان من الطلبة ال(عاقلين) .. لذا فلم يكن لنا اختلاط به بعد الدوام... فالعصابة التي كنت اسير معها كانت تعيش (حياة مزدوجة)..... دوام ودراسة في الكلية ..وحياة صخب ومقاهي ودومنه وكونكان بعد الدوام. ... ولم يكن عبد العال من هذا النوع...كان انساناً جاداً على طول الخط...وارتبط منذ السنوات الاولى للكلية باحدى زميلاتنا وهي الانسانة الفاضلة الدكتورة (سعاد جدوع) والتي صارت زوجته.. .ورزقا ببنت واحدة....
عرفت انه من عائلة تميمية عريقة من كربلاء... وحسب المصادر التأريخية التي اطلعت عليها.... . فانا مولع بالتأريخ كثيراً... فإن تميم استوطنوا في كربلاء منذ ازمان طويلة وقبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم... والده كان له معامل انتاجية صغيرة... وعائلتهم من العوائل المشهورة في تلك المحافظة المهمة والمقدسة في العراق....
ذهب الى بريطانيا بعد التخرج والاقامة القدمى .. وحصل على شهادة زمالة كلية الجراحين الملكية ... وعاد كواحد من خيرة الجراحين..عملنا سوية في مدينة الطب لحين احتلال العراق عام 2003 وبعدها بقليل وعندما ساء الوضع في العراق وصارت الحياة به صعبة جداً بسبب تردي الخدمات وانعدامها... فانه غادر اولاً الى بريطانيا للعمل هناك ......وبعد بضع شهور عاد الى العراق حيث رزم امتعته وانتقل الى سلطنة عمان لانه حصل على عقد جيد مع افضل مستشفى في السلطنة....... وهو (المستشفى السلطاني)
عمل في المستشفى السلطاني لاكثر من اربعة سنوات ثم انتقل للعمل في مدينة صحار وهو الان رئيس وحدة الجراحة في المستشفى التعليمي.... حيث يرتبط بكلية عمان الطبية (اي اننا نعمل سوية انا في الباطنية وهو في الجراحة).. وهو من خيرة من يقوم بتعليم الجراحة لطلبة كلية الطب ..يحبه الطلاب ويحترمونه ..وتعلموا على يديه الشئ الكثير...


علي كبه
الصورة لعلي كبة محاط باشارة دائرية
علي عبدالله كبه من الطلبه الذين جئت معهم من كلية بغداد.... اكن له الكثير من الاحترام لانه انسان مهذب جداً وطوال فترة كلية الطب لم نعرف عنه اي اذى لاي كان... فهو من النوع من البشر الذي كان جاداً تماماً في كل تفاصيل حياته...وكان يلتقي بنخبة معينة صغيرة ... ويقف معهم.. لم الاحظ عليه اي علامات لعلاقات نسوية في اثناء الطبية ... سواء من خارج الكلية كما فعل الكثيرون او من داخل الطبية... وكان مجداً في دراسته .. من الطلبة المتفوقين على الدوام...
تدرب معنا في العسكرية ... وحسب علمي فانه تم توزيعه مثلنا على الوحدات العسكرية في شمال العراق ...وعانى من نفس ما عانينا منه من قسوة الحياة في الخيام وفي الوحدات الفعالة اثناء حرب شرسة....
لم اسمع عن علي الكثير بعد العسكرية... فانا ذهبت للخدمة في الارياف ثم الاقامة القدمى وبعدها فرنسا...
رجعت الى العراق في نهاية 1985 وعانيت لحين انتهاء الحرب مع ايران ... ثم بدانا معاناة جديدة بعد احتلال الكويت... حصار وجوع وهبوط في القيمة الشرائية للدينار... حصار مؤلم مؤذ لكل فئات الشعب... في تلك الفترة كانت تصلني اخبار هنا وهناك عن علي ..انه اختص في طب وجراحة النساء والتوليد....
في 2005 ذهبت لانكلترا لمدة عشرة ايام ...وخلال وجودي في لندن دعاني زملائي وابناء دورتي الى مطعم (مسكوف) في شارع (ادجوير) وكان (علي) من ظمن من جاء للترحيب بي...وترك ذلك في نفسي الاثر الكبير... عرفت انه قد صار من خيرة اطباء النسائية في بريطانيا وانه صار من القلائل الذين يشار لهم بالبنان في لندن في مجال العقم واطفال الانابيب..وعرفت انه ساهم بتأليف اربعة كتب على الاقل في مجال النسائية والتوليد ونشر ما يزيد عن مئة بحث علمي....ولايزال يعمل في مستشفى (كايز) وفي (سانت توماس) الشهيرين في لندن....
حاول (علي) ... وحسب علمي لايزال .. مساعدة الاطباء العراقيين الراغبين بالتدريب على النسائيه والتوليد والعقم... وقام بكل التسهيلات الممكنة كي يجلبهم الى (لندن) ويقيم لهم الدورات التدريبية ويساعد على تطوير مهاراتهم,,, وحسب علمي فان الكلية الملكية البريطانية قد وضعته على رأس لجنة خاصة للتعاون مع الاطباء العراقيين ومن مساعدتهم في كل المجالات الممكنة... وقد رأيت اسمه ايضاً ظمن احدى الجمعيات الخيرية التي تجمع التبرعات لمساعدة ضحايا احتلال العراق...
علي رغم كونه واحد من المع اطباء بريطانيا في مجال العقم الا انه لم ينس اهله في العراق .. كان ولايزال يمد لهم يد العون كلما استطاع واثبت انه من النجباء وم العراقيين الذين يحق للعراق ان يفتخر بهم....

صفاء مزهرالعبيدي
(صفاء مزهر العبيدي) جاء معي الى كلية الطب بعد ان اكمل الثانوية.. من كلية بغداد...كنا
زملاء في كلية بغداد وكان بيننا صداقة وود مستمر.....واستمرت تلك طوال فترة الطبية ...
كان (صفاء) في كثير من الاحيان شريكي في العمل في المختبر بسبب كون اسمائنا تقع سوية حسب الحروف الهجائية الانكليزية... وحتى العربية... وكان شريكي الدائم في اجراء التجارب في الفيزياء والكيمياء والكيمياء الحيوية... كان مختلفاً عني من ناحية انه دقيق جداً في تفاصيل اي عمل يعمله....كان انساناً هادئاً جداً ..ويتم التجارب بكل دقة وبانتباه الى التفاصيل الصغيرة.... اما انا فكنت فوضوياً بطبعي.. استعجل في كل شئ.... وبذا فقد كان هناك دائماً نتيجتين لأي تجربة مختبر نجريها... نتيجة صحيحة... تلك هي التي كان يجريها (صفاء)... ونتيجة غالباً ما تكون خطأ ... تلك التي كنت اجريها انا!!... وبعد مدة تفهم (صفاء) .. ومن قبل ذلك فهمت ....انا اننا اذا اردنا لاي تجربة كيمياء او فيزياء... او اي عمل يدوي ان ينجح ... فان الافضل ان اتركه لصفاء ليعمله ...دون ان اتدخل..يكفي ان اتفرج فقط.
ولغاية تخرجنا من الكلية الطبية ...كان (صفاء) يأتيني في بعض الايام الى بيتنا....حيث انا كنت اسكن (المنصور-حي دراغ)... وهو يسكن في الاربعة شوارع (اليرموك)....حيث كان والده احد الضباط المعروفين...... كانت عندهم سيارة من نوع (فولفو) ... فجأة اراه امامي ... في تلك الفترة لم تكن هناك اتصال بالموبايل ..وحتى التليفونات لم تكن يعتمد عليها.... يقول لي ..."هل عندك فراغ؟... هيا لنخرج!!".... وكان مكاننا المفضل كان (نقابة المهندسين في المنصور)... حيث فيها مبنى لطيف جداً ...نظيف جدأً ... يحتوي مطعم يقدم اكلات ممتازة....(على العكس من نقابة الاطباء...كان ناديها ومطعمها.... بائسان على الدوام...اقرب ان تكون ماخور من الدرجة الثالثة ...ولاتليق ابداً بمهنة الطب!)... وبعد قضاء وقت جميل في الطعام والتحدث ...اعرف فيه ان (صفاء) عنده مناسبة خاصة هذا اليوم .. عيد ميلاد...او مناسبة مفرحة.... وقد اختارني لاشاركه تلك المناسبة...وكان ذلك ...وبقي ...يعني لي الشئ الكثير
صفاء كانت له موهبه رائعة في شئ اخر .. لم يكن الاخرين يتمكنون من مجاراته فيه .. وهو (سكف السمك) كان احسن شخص يتمكن من عمل السمك المسكوف... كنت اذهب معه الى (سوق الشواكه) وهو سوق كبير في جانب الكرخ ..وبه علوة كبيرة للسمك.. ونشتري السمك الكطان الذي كان (صفاء)يتفحصه بخبرة وبدقة.. ثم يطلب من السماك ان يقطعه بالطريقة الخاصة بالمسكوف.. وبعد ان يكون قد اشترى عدداً كافياُ من الاسماك لنا جميعاً... ننطلق الى منطقة (العطيفية) قرب جسر الصرافية... هناك كنا نلتقي ..اكثر الاحيان يكون عددنا حوالي العشرة.. تبدأ السباحة في نهر دجلة الخالد بعد العصر.. حيث تكون الشمس قد مالت الى الغروب .. والحر اقل ..والماء طيب وبارد... انا كنت اسبح ولكني لم اكن سباحاً ماهراً ..وكان عندي بعض العقدة النفسية من السباحة في النهر.. وهناك من بيننا من كان يتباهى ... فيعبر نهر دجلة الى الضفة الثانية .. ثم يعود سباحة ثانية..
في هذه الاثناء يكون (صفاء) قد اخرج جميع عدة (المسقوف) والتي يحتفظ بها بعناية... واهمها الاوتاد التي يعلق عليها السمك ومطرقة لتثبيت الاوتاد... وبعد ان يعلق السمك بالاتجاه الصحيح بالنسبة للريح.. فانه يضع الحطب (والذي عادة ما نجلبه من بيت قريب...يعود الى اهل زميلنا سعدالفحل) ....ويبقى صفاء يراقب النار ..ويتأكد انها لاتلمس السمك..وان السمك ينضج بالحرارة وضوء النار فقط... قد تستغرق ساعتين وربما اكثر ..نكون قد سبحنا ولعبنا في الماء بما فيه الكفاية... وجعنا ... وانفتحت شهيتنا للمسقوف
نفرش مائدة المسقوف ..العنبة والطماطم .. والسمك .. وخبز البيت الحار الذي يجلبه لنا اخوة (سعدالفحل) من التنور ..حيث تقضي والدته الساعات في ذلك اليوم لخبز اعداد كافية من الخبز يكفينا ويزود....جزاها الله وجزاهم جميعاًكل خير
ثم يأتي دور ال(رقي) الاحمر البارد... هذا ايضاً احد الخبرات الرائعة ل(صفاء) حيث تعلمت منه كيف اتخير الرقية الجيدة الكبيرة جداً والتي تكفينا نحن العشرة انفار....
كانت امسيات رائعة ...كررناها عدة مرات .. صفاء كان لولب المسقوف الدائم الحضور في كل مرة ...وكان لايسبح الا قليلاً... فهو كان بحكم خبرته يعرف بانه اذا ترك السمك دون مراقبة مستمرة فانه سوف يحترق .. او سوف يبقى دون ان ينضج...
بعد تخرجنا من الطبية...وبعد الخدمة العسكرية... افترقت عن صفاء ...حيث كان تدريب كل منا في مكان مختلف ... ثم افترقنا تماماً عندما ذهبت الى فرنسا للتخصص .....وبعدها الى انكلترا..
بعد عودتي للعراق عرفت ان (صفاء) ايضاً عاد من بريطانيا بشهادة زمالة كلية الجراحين الملكية ...وانه تم تعيينه للعمل في (النجف) حيث صار احد الجراحين المرموقين هناك ...و بعدها صار ضمن التدريسيين في كلية الفرات الاوسط للطب ..وهي الكلية التابعة للنجف .. ومقرها في الكوفة... وبقي هناك الى وقت منأخر من فترة الحصار الاقتصادي... حيث عانى الجميع ما عانوه...
تم انتقال (صفاء) الى بغداد بسبب كون جميع اولاده يدرسون في بغداد وان بيته في اليرموك.. وصار الانتقال بين النجف وبغداد عبئاً عليه وعلى عائلته........وانتقل من عمله في النجف الى كلية الطب في بغداد... وطبعاً لمن يعرفون الامور في العراق ..فإن النقل من النجف الى بغداد هو فعلياً تضحية مالية كبيرة...... حيث ان العمل في محافظة مثل النجف يعني مردود مادي كبير جداً وكنز بحد ذاته... وقبله كان نقل الزميل الجراح (عزام قنبر اغا) .... الذي كان هو الاخر يعمل في النجف ... وعندما كنا نسأله عن العمل في بغداد... مقارنة بالعمل في المحافظات ...كان يجيبنا بانه كارثة مالية ..ثم يحكي لنا القصة التالية ..."يقول ان احد اصدقاءه كان يعمل جراحاً في النجف ..وفي كل يوم يعود فيه من العمل كان يخرج النقود من جيبه ويضعها في (قوري كبير) (غلاية ماء) كان للزينه ...حجمه كبير... يضعه في فترينة خاصة في غرفة الضيوف... يقول ما ان يقترب نصف الاسبوع حتى يمتلأ (القوري) بالمال...واحتاج الى ان اجد مكاناً اخر اضع فيه الفلوس لباقي ايام الاسبوع.... وبعدها تم نقلي الى بغداد.... وصرت اعد الشاي واشربه من ذلك القوري!!" (اي انه اصيب بالافلاس تماماً نتيجة نقله الى بغداد!)...
بعد الاحداث الدامية في بغداد التي عقبت الاحتلال ... بقينا نكافح انا و (صفاء) وشهدنا جميع المآسي التي مر بها ناسنا في بغداد... وفي نهاية 2006 وبداية 2007 اضطررت لترك العراق..... الى العمل في سلطنة عمان... اما (صفاء) فقد بقي صامداً ..وحسب علمي فانه يشغل منصب رئيس المجلس العلمي )للجراحة العامة (البورد)...وهو منصب عالي جداً في العراق ..مساوٍ لمنصب مدير عام حسب علمي....وبقي (صفاء) ذلك الانسان الهادئ الودود...يحبه جميع اخوتي ويسألونني عنه دائماً.... التقيت به قبل عام في مؤتمر الجمعية الطبية العراقية العالمية في الشارقة...وكانت تلك اخر مرة التقيت به.....





خالتي فرنسا!
الصور: سيارتي في فرنسا(ستروين ديان سيس).. كلية طب مونبليه هي قلعة اثرية .. شارع خلف الكلية في الحي الاثري من مونبليه حيث كلية القانون.. جسر الماء والاقواس الرومانيه
الكثيرون يستغربون كيف ذهبت انا الى فرنسا.. بل ولايصدقون انني اتحدث باللغة الفرنسية.....!!. السبب هو انني فوجئت في نهاية عام 1978 بكتاب يرشح كل من كان طبيباً مقيماً اقدماً في المفاصل... واتم اكثر من سنة في التدريب ...الى اجازات دراسية عددها عشرة للدراسة في اي بلد في العالم لمدة سنتين...للحصول على شهادة الاختصاص بالمفاصل والتأهيل.... وفي كل العراق لم يكن هناك من اكمل سنة تدريب اقامة قدمى عدى اربعة اشخاص او خمسة ..اي ان عدد المقاعد كان ضعف عددنا...وان قبولنا سوف يكون تحصيل حاصل......
نظام الاجازة الدراسية يعني انك انت الذي يجب ان تحصل على القبول من الجامعات الاجنبية ... بعكس الزمالة اوالبعثة .....حيث يتوجب على الدولة العراقية نفسها ان تجد لك مقعد الدراسة .. اضافة الى ان الرواتب والامتيازات هي اعلى في حالة الزمالة والبعثة من الاجازة الدراسية....حيث ان رواتب الاجازة الدراسية هي نفس الراتب في العراق محولاً الى العملة الصعبة في ذلك البلد...وهو عادة راتب (قوت لايموت)...... ولكنني لم تكن هناك حدود لفرحتي بالاجازة الدراسية.. اخيراً ساحصل على جواز سفر..... واتمكن من مغادرة العراق ..ويرفع منع السفر عني!....
بمجرد ان استلمنا كتاب ترشيحنا للاجازة الدراسية ....حتى بدأت مع احد المرشحين والذي كان يعمل معي في معهد العلاج الطبيعي ...وكان اسمه ( عزيز رحمة الله)....وكان انساناً لطيفاً جداً ..اظنه من وسط العراق..حلة او كربلاء... ..(لا ادري اين صار مصيره) ...حتى بدأنا سويةً.... رحلة البحث عن قبول من الجامعات الاجنبية.... في حينها كانت بغداد مركزاً لكل السفارات... قدمنا اوراقنا الى السفارة الكندية والفرنسية والاسترالية والنيوزلنديه... كلها عدا امريكا لانها كانت مقطوعة العلاقات في تلك الفترة ... والبريطانية ... ايضاً انقطعت العلاقات تماماً معها في اواخر 1978 بسبب مقتل مدير مكتب (منظمة فتح) في لندن (سعيد حمامي) ... واتهام بريطانيا رسمياً للحكومة العراقية بالضلوع في قتله من خلال الجناح العراقي (لجبهة التحرير العربية)... ولسوء حظي وحظ (عزيز رحمة الله) فقد تم طرد السفراء بين البلدين...
كان كتاب ترشيحنا الى الاجازة الدراسية ينص على ( جميع الدول.. عدا بريطانيا)... لذا لم نكلف خاطرنا بالاتصال بأي جامعة بريطانيه... ولكننا بقينا على سعي محموم ودؤؤب في محاولة الحصول على قبول من اية دولة تتحدث اللغة الانكليزية... ... امتحنا لغة انكليزية في السفارة الاسترالية ... كانوا يسمونه امتحان (ديفز).... وكانت اجوره مرتفعة... وامتحنا اللغة الامريكي (التوفل) في بغداد ...وايضاُ مقابل اجور مرتفعة.... وعملنا العشرات من النسخ من شهاداتنا....وصورنا الشخصية.... وخلاصة خدماتنا ارسلناها لكل جامعة في كندا وفي استراليا ونيوزلندا.....
الاجابة الاكيدة الوحيدة بالقبول ... جائتنا من فرنسا... في تلك الفترة كان هناك مكتب تابع للسفارة الفرنسية ... مقره في الكرادة الشرقية اسمه مركز العلاقات الثقافية العراقية الفرنسية... يقوم هو بكل اجراءات متابعة الاتصال بالجامعات الفرنسية ... وكان يديره شخص اسمه ( مسيو ماتيو) ... كان انساناً لطيفاً .. ودوؤباً وجاداً في عمله ... وبعد حوالي الشهر اتصل بي وب (عزيز رحمة الله) هاتفياً طالباً منا المجئ الى مركز العلاقات....
قال لي (حصلت لك على قبول في العديد من افضل جامعات في فرنسا ...جامعة بوردو... هناك حيث النبيذ الفاخر.. والنساء الحسناوات!) اخبرته انني لا اشرب الكحول ابداً... وانني متزوج وعندي طفلة... ولا ابحث عن نساء ....لاحسناوات ....ولاقبيحات...! فكر قليلاً ..ثم قال اذاً القبول الاخر ينفعك ... انه من جامعة مونبليه... المدينة العريقة في الطب... ويفضل ان يبدأ السفر خلال شهر واحد .. كي تكون عندك فترة ستة شهور تقضيها في تعلم اللغة الفرنسية ... قبل البدأ بالدراسة الطبية والتي هي باللغة الفرنسية حصراً ..وربما يسبقها مقابلة او امتحان قبول!.... ونفس الكلام كانت حصة رفيقي عزيز....
عدت وانا منتشي تماماً... سأذهب الى فرنسا! ... اخيراَ!....
كنت قد سمعت من الكثيرين ان الدراسة في فرنسا صعبة ....اضافة الى صعوبة تعلم اللغة الفرنسية..... وان نظامهم في التعليم الطبي هو مختلف كلياً عن بريطانيا .. فسوف اواجه صعوبة في التكيف مع النظام المختلف كلياً عما تعودنا عليه ... وحتى الشهادات التي نحصل عليها ... اسمها غريب جداً.... فهي (سي او اس) بدلاً من ال (ام ار سي بي)... الاولى الفرنسية تعني (شهادة دراسة الاختصاص) ... والثانية البريطانية تعني (عضوية كلية الاطباء الملكية)... ونحن متعودون تماماً على الاخيرة....
ولكني فكرت بالامور من زاوية مختلفة تماماً عن بقية الناس .... ليس هناك اي وسيلة للذهاب الى بريطانيا بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية تماماً معها.... فيجب ان انسى بريطانيا... حصلت على قبول من فرنسا... ساقضي ستة شهور اتعلم فيها واحدة من اجمل لغات العالم...لغة يلقبونها ب (لغة البلابل).... وبعدها سوف اجرب حظي مع الدراسة في فرنسا لمدة سنتين قابلة للتمديد الى ثلاثة... واذا حصل - لاسامح الله- ورسبت في الدراسة .. فانني سوف اعود الى العراق ... واعتبر نفسي انني قد قضيت هذه السنين الثلاثة في اجازة طويلة.... سياحة ومتعة على نفقة الحكومة العراقية.....ومن بعدها سوف ادفع مبلغ الكفالة واجور الدراسة بالتقسيط المريح... عشرة دنانير شهرياً من راتبي... فانا الرابح في جميع الاحوال سواء نجحت ..او رسبت....
وفي خلال شهر واحد...كنت راكباً الطائرة ... في يوم 17/1/1979 الى باريس....!! وفي نفس اليوم طارت بي طيارة الى مدينة مونبليه في اقصى جنوب فرنسا على البحر المتوسط..... وبقي صاحبي (عزيز رحمة الله) متردداً ولم يرافقني في السفر....
كانت سنتين من الدراسة في فرنسا من اجمل السنين في حياتي ... فانا كنت طالب.....تنطبق على جميع مواصفات الطلبة... فحتى بعد ان التحقت بي زوجتي وابنتي خلال شهرين من وصولي هناك... فاننا كنا طلبة ... الطلبة في فرنسا لهم كثير جداً من الحقوق... نأكل في المطعم الطلابي طعام فرنسا الشهير بلذته ... اربعة اوخمسة اصناف في الوجبة الواحدة...بسعر اقرب من المجان لانه مدعوم من قبل الحكومة الفرنسية.. ... نسكن في شقة رائعة شبه مجاناً تماماً ...تمنحنا الحكومة الفرنسية مبالغ معونة اجتماعية بسبب ان عندنا طفلة صغيرة.... وكأي طلاب لدينا الكثير من العطل الصيفية والربيعية..... للاستمتاع بقيادة سيارتي (الستروين الصغيرة) ...وقضاء اجمل ايام مع عائلتي في الاندلس في جنوب اسبانيا ....اوفي امارة اندورا الصغيرة...اوفي مونت كارلو...... اوفي فينيسيا في ايطاليا .. او في رييكا في حنوب يوغسلافيا...
كلية الطب في فرنسا ...هي اقدم كلية طب في اوربا.. تم بناءها في القرن الحادي عشر... فهي تماماً تشبه القلعة الاثرية ... والدخول الى العمادة والى المكتبة يتم عبر جسر معلق .. كان يرفع ايام الحرب الاهلية بين الكاثوليك والبروتستانت في القرون الوسطى..!! المدينة كلها اثرية.. وكانت تحت سيطرة المسلمين الاندلسيين في فترة من فتراتها... وكلية الطب نفسها وباعتراف اساتذتها كانت تدرس كتب الرازي وابن سينا والزهراوي الى حد قبل مدة ليست بالبعيدة ....
ولكن الامور لم تكن كما يرام مع كل الاطباء العراقيين الذين قدموا الى فرنسا...... الكثير منهم لم يكن ينظر الى وقته في فرنسا على انه سياحة على نفقة الحكومة العراقية... وهؤلاء كانوا يعانون الامرين من صعوبة اللغة ..وصعوبة الدراسة ...وصعوبة التأقلم مع المجتمع الفرنسي..... وكتبوا الرسائل.. والطلبات الكثيرة الى الحكومة العراقية ..يرجون ويتوسلون ان توافق الحكومة على ان يغيروا قطر الدراسة من فرنسا الى بريطانيا .. حيث كانت العلاقات قد عادت الى طبيعتها بعد مرور عام من القطيعة...... ولكن الحكومة العراقية لم تسمع لهذه الشكاوى ولم تأخذ معاناتهم محمل الجد ... وهددت بمعاقبة من يفكر منهم بخرق الاتفاق والكفالة... وفعلاً عاد الكثيرين من الاطباء بعد بضع اشهر الى بغداد وتحملوا تبعات اعادة دفع المصاريف التي انفقت عليهم... اما انا فكنت مستمتعاً بكل يوم... وكل اسبوع وشهر من وجودي في تلك المدينة الجميلة في ذلك البلد الجميل..الواقع على البحر الابيض المتوسط وبالربيع الدائم صيفاً وشتاءاً..
كان النظام في ذلك الوقت .. ان كل مبعوث او طالب زمالة او اجازة دراسية كان له الحق بالحصول على تذاكر طائرة مرجع بالخطوط الجوية العراقية ...مرتين كل عام ... وذلك لمنع الشعور بالحنين للوطن ...ولابقاء الطلبة مرتبطين ببلدهم.... وفعلاً استفدت من تلك (المكرمة ) ...والتي كانت بسبب الغنى الفاحش الذي هبط على العراق من السماء في تلك الفترة....وزرت اهلي مرتين قادماً من فرنسا ..قضيت شهراً في كل مرة منهما... اصبت بالقلق والاحباط والانزعاج في كلتا المرتين عندما كنت ازور زملائي واساتذتي في مدينة الطب وفي مستشفيات بغداد.... كانوا يسألونني عن الدراسة في فرنسا... وعن دراسة الطب.. هل تفحصون مرضى .. ؟ هل تدخلون ردهات المستشفى؟ .. هل تضعون يدكم على المريض؟ .. ما اسم الشهادة ؟ ماذا تعني الحروف التي تتكون منها؟ ... واحسست انني سوف ابقى متهم طول حياتي اذا رجعت من فرنسا بشهادة الاختصاص ... سوف يبقى الاخرون ينظرون الى والى شهادتي بريبة وشك ... بعكس من يحصل على الشهادة من بريطانيا... لاريبة ..ولا شك...ولانظرات تحمل اكثر من معنى!! وبدأت ولاول مرة اتململ من الدراسة في فرنسا ... رغم انني كنت مرتاحاً جداً في مدينة رائعة جداً.......
واخيراً ...وفجأة.... حصل امر لم يكن في الحسبان ... احد الاطباء العراقيين في احدى المدن الاخرى ...اظنه قدم للتخصص في الامراض الجلدية......وصل به الامر من اليأس من صعوبة اللغة ..وصعوبة الدراسة....ومن صعوبة التأقلم مع المجتمع الفرنسي...... الى الانتحار بالقاء نفسه من شرفة احدى العمارات العالية. وحمُل اهله الحكومة العراقية تبعات موت ابنهم ..خصوصاً وانه ترك رسالة انتحار يصف فيها كيف انه اشتكى مراراً وتكراراً من صعوبة الوضع ومن صعوبة الدراسة ...الى المسؤولين في بغداد..وان احداً لم يستمع الى شكواه.... وبعد هذا الحادث المفجع بقليل... جاءنا كتاب رسمي من ديوان الرئاسة .....نحن الاطباء فقط..دون باقي الاختصاصات .... الدارسين في فرنسا يخيرنا بين امور ثلاثة:
الاستمرار في دراستنا في فرنسا.....
او... العودة الى العراق واعفائنا من كل التبعات المالية والقانونية عن عدم الحصول على الشهادة المتعاقد عليها....
او... الحصول على قبول جديد من دولة اخرى مثل بريطانيا ..والانتقال الى الدولة الجديدة... باجازة دراسية جديدة لمدة سنتين الى ثلاثة سنوات واعفاءنا من جميع المتعلقات بالكفالة و بالعقد المرتبط بالاجازة الدراسية السابقة..!
كنت قد اكملت سنتين...تعلمت بها (لغة البلابل)...استمتعت مع عائلتي باحلى عطلة ...حصلت فيها على شهادة اختصاص في (الطب الرياضي)...وهي شهادة ثانية عدا استمراري في دراسة المفاصل...(في فرنسا كان يمكنك التسجيل-وظمن اجور زهيدة جداً- باكثر من دراسة ..والحصول على اكثر من شهادة في آن واحد)....
قررت عدم تقديم شهادة (الطب الرياضي) للمصادقة عليها من قبل السفارة العراقية ...وابقائها خفية.... والتقديم على اجازة دراسية جديدة الى بريطانيا ... للحصول على شهادة الطب الباطني .... ال (ام ار سي بي)....وهكذا ابقيت شهادة فرنسا سراً ..ولم ابلغ عنها ...مخافة ان يحرمني الابلاغ عنها من فرصة الحصول على سفرة جديدة ...الى بريطانيا هذه المرة .... وعملت رحلتين لوحدي الى (بريطانيا) حيث السفر من فرنسا الى بريطانيا كان سهلاً وزهيداً جداً....وبعد مقابلتي الاولى ...لاول استاذ مفاصل في بريطانيا (البروفيسور فيرنا رايت)... اعطاني قبول للدراسة معه على الفور...وسلمني ورقة رسمية مختومة وموقعة من قبله بعد بضع ساعات من مقابلته... ارسلتها مع طلب رسمي الى بغداد....وبعد بضع اشهر جائتني الموافقة على اجازة دراسية جديدة ...وثلاثة سنوات اخرى .. لقضائها في بريطانيا هذه المرة !!.

المتابعون

أرشيف المدونة الإلكترونية