السبت، 30 يوليو، 2011

وصلني التعقيب التالي من الزميل الدكتور عبد الرضا العباسي على ما كتبه الاخ الدكتور سمير حبانة:

اخي العزيز سامي اكتب ثانية تعليقي الذي صفنت فيه واستذكرته لاكثر من ساعة ولكنه ضاع في الارسال- ولا تكلي اني غشيم- لاأعرف كيف لم يدخل ضمن المدونه وها انني اعيد كتابته ثانية لاضافته الى مدونة الاخ والاديب الدكتور سمير حبانة لقفشاته المليحة وذاكرته القوية مع تحيتي له ثانية عبر مدونتكم الجميلة مع شكري لك لاتاحتنا هذه الفرصة لاستذكار الزمن الجميل بعد ان صرنا اكثر تنورا ومعرفة ببعض اساتذتنا واسلوبهم في الكلية سلبا وايجابا –وذلك بعد ان اصبحنا نحن اساتذة في كليتنا التي درسنا وترعرعنا فيها- مع احترمانا لهم جميعا رغم تحفظاتنا على البعض القليل منهم بعد تخليهم عن رسالتهم الاكاديمية المقدسة وانخراطهم في السياسة بكل سلبياتها وقرفها وتدليسها.

عبدالرضا العباسي

وددت ان اضيف بعض ماأستذكره حول ماكتبه الدكتور سمير واركز بالذات على استاذنا بطب العيون الدكتور غازي حلمي مع كل الحب والوفاء.

كان طب العيون من فرعيات الصف الخامس غير محبوب نسبيا لقلة مانتعلمه فيه وحتى بعد التخرج عندما طلب مني ان اكون مقيما في قسم العيون في مستشفى الكرامة لم أقبل وقتها واعترضت لكي يعينوني مقيما دوري في قسم الكسور,وكان اساتذة الفرع هما الدكتور غازي حلمي والدكتور فكرت شوقي ولم يكن هناك مايشدنا للدوام فيه سوى الحضور وعدم تسجيلنا غيابا اذ لاشيء يجذب البتة للانتباه او التركيز خاصة والوقت كان عند الظهر والكل يتثاءب جائعا منتظرا انتهاء الدرس للهروب الى النادي لتناول الغداء فيه وهو التمن والمرق الذي يجلبه لنا العامل وليد الذي نحبه كثيرا وننفحه بعض البخشيش لأنه احيانا يقبل ان يسجل علينا الغدا بالدين عندما يصيبنا الأفلاس.

كان الأستاذ غازي حلمي وكما ذكر عنه الدكتور سمير حبانة عصبي المزاج ويتنرفز بسرعة ولا تعجبه الكثير من التصرفات الطلابية وله آراءه الخاصة وانتقاده الدائم للمجتمع والأحداث والتصرفات الأجتماعية التي يعتبرها جميعا خاطئة بل وكثيرة الضرر, وكان أغلب الوقت يمر في العيادة الخارجية بالجدال في هذه الآراء وكنا نستفزه عن خبث كي ينفعل ويمضي الوقت وينتهي الدوام كي نهرب الى النادي. وكانت الأوضاع السياسية آنئذ بعد انقلاب 1969 وقيام الاتحاد الوطني وتسيب بعض الطلبة وانشغالهم بالسياسة والشعارات الرنانة في "النضال والقيادة والتحرير والقضاء على الصهيونية والأستعمار" وغيرها من شعارات ذلك الزمان, حيث بعض الطلبة نافخين أنفسهم ويترفعون عن الدوام والحضور الى المستشفى مع كثرة الاضرابات والمسيرات احتجاجا على الاستعمار والرجعية وغيرهما, فكان الأستاذ غازي يخاطبنا باستمرار ويصب جام غضبه على هؤلاء "المناضلين" من خلال لومنا وتقريعنا نحن المساكين "أبوي مايكدر الا على أمي" فيقول: كيف انتم مناضلون وما هو نضالكم ايها الباميويون "نسبة الى الباميا" انتو مال باميا وثريد شنو الشي اللي انتو سويتوه وشنو نفعكم للمجتمع ياأصحاب البيعتين ويا قتلة الحسين.. كلكم باميويون.. وكان يعيد تكرارها يوميا على مسامعنا لعدة مرات وكان يقول لنا حتى بالغزل ومخاطبة النساء فنحن فاشلين وخشنين ولا نفهم شيئا ولا يتعدى غزلنا على حد قوله "عمت عين امج الجابتج – وهذا طول لو نخلة- منعول ابوهم أهلج على هالجمال!! وكان يقارن هذا القول مع قول شاب مصري استوقفهم هو وابنته وزوجته في سفرة الى القاهرة حيث قال الشاب المصري مخاطبا زوجتي وبحضوري- والحديث للدكتور غازي- ربنا هيدخلك الجنة ياستي- وعندما سألته زوجتي كيف ولماذا؟ قال لها عشان جبتي الأمورة الحلوة دي...تصوروا استوقفنا في الشارع وتكلم مع زوجتي وتغزل بأبنتي وانا اسمع وأرى ولكن بكلام جميل خفيف عالمعدة ولم يستثير غضبي- ابن الكلب- خو مامثلكم ياباميويون ".

كان يقرف من المريض الرث ذي الرائحة الكريهة ويردد عندما نتكلم عن الأنسانية ورسالة الطبيب: قارنوا ياكذابين, ياأصحاب البيعتين بين فحص هذا وبين هاي النظيفة ذي العطر النفاذ مشيرا الى سيدة جميلة حسنة الملبس والرائحة.

كانت في قسم العيون ممرضة جميلة المحيا متوسطة العمر ولها عينان خضراوان جميلتان اسمها روز وكان الدكتور غازي يغازلها امامنا غزلا بريئا حيث كانت تساعده في اجراء العمليات على العيون في العمليات الصغرى وكانت عندما تقول له تسمحلي دكتور عند ذهابها لشغل ما يرد عليها: عيني روز انتي اللي تأمرين وآني اللي انفذ اني اللي اشتغل عندج, وعندما يريد ان يحكي لنا نكتة غير بريئة يقول لها: روز روحي أو روز سدي آذانج ذوله- مشيرا علينا- باميويون وماينطون وجه!.

كان يحب الحمار كثيرا ويعتبره أحسن وأخلص من الأنسان وغرفته في العيادة الخارجية تزينها لوحات الحمير مع التركيز على عيونها ويقول لنا الحمار حيوان مسالم أخلص من البشر يؤدي عمله بلا شكوى أو أذى, ثم ان له عينين جميلتين أحلى من عيونكم "الجقلة" وليس مثلكم يامناضلون انتوا بيش ناضلتوا؟!. وبالطبع نحن نستثيره لأطالة الحديث كي ينتهي الوقت ونهرب الى النادي. وكان عند اعطاء محاضرة في قاعة المحاضرات يحير كل مرة كيف يتعامل مع الميكرفون فمرة يأخذه بيده وتارة ينزعه من المسند ويربطه بخيط ويجعله كالقلادة في رقبته واخرى يضعه في حزامه, وكان بعض الخبثاء في الصفوف الأمامية يستفزونه لينصحوه ان يمسكه بيده او يضعه على المنضدة وكان يرد عليهم بعنف: ماعليكم انتم التهوا بنفسكم, فنستغرق في الضحك الخافت. وكان يردد على مسامعنا ثلاثيته الشهيرة: لاتطلب مسدس من واحد ولا تطلب سيارة من صديق لأن المسدس احتمال تقتل بيه واحد والسيارة تدهس بيها واحد ولا تطلب راديو مسجل ".. (هاي ماندري ليش!!!) واحيانا تتغير الثلاثية فيقول: اقبح شي تسويه من تطلب مسدس او اللي يطلب سيارة وينسى الثالثة فنحاول نذكره والثالثة؟ فيقول واللي يحجي عالناس- المهم اكو ثالثة!.

تحية لاستاذنا الدكتور غازي حلمي مع كل الحب له ولكل من علمنا حرفا في مسيرة الطب.

الاثنين، 11 يوليو، 2011

يستمر الاخ الدكتور سمير عبدالحسين حبانة بتوثيق ذكرياته عن ايام كلية الطب.. وهاهو قد وصل معنا الى الصف الخامس...

الصف الخامس 66-67


ابتدأ الصف الخامس في ظل ارتخاء سياسي في البلد كان سببه تلك الحركات والاحزاب السياسية انتظارا للفرصة الملائمة لغرض الوثوب لاستلام الحكم والحقيقة ان تلك الفترة كانت من اهدأ مايمكن بالنسبة للوضع العام في بغداد وبقية المدن حتى اننا كنا نعود بعد انتهاء الدور الثاني للعرض السينمائي لسينما النصر وذلك في حوالي منتصف الليل الى العيواضية سيرا على الاقدام.. نزهة وهدوء اعصاب (وواقعا تضييع الوقت) وبعد ان نصل الى هناك نتجول قرب ماكنة الكهرباء الضخمة ومن ثم قريبا من جسر الصرافية داخلين فروعا وخارجين من اخرى ولربما اقترب الفجر ونحن على تلك الحالة ويحل موعد النوم اجبارياً!..كما كانت هناك دار اخرى اسمها (السينما والمسرح القومي) تقع في كرادة مريم وقرب القصر الجمهوري لابل ان موقف مصلحة نقل الركاب يقع امام بوابة القصر نفسها وكنا من رواد هذه الدار لانها تختص بأعادة عرض الافلام التي انتهى موسم عرضها من مدة فتقوم بتقديمها عصر يوم الجمعة فقط.. واذكر انني شاهدت لديهم روائع لاتنسى مثل (ليلة الايغوانا ) عن مسرحية الكاتب الامريكي تنيسي وليامز و فلم (راشومون) وهو من الافلام اليابانية للمخرج الشهير (اكيرا كييراساوا) وكذلك فلم (قصة الحي الغربي )
رائعة المخرج ويليام وايلر والذي كانت بطلته (ناتالي وود) تثير فينا كل رومانسية الوجود من خلال ادائها الجميل فيه..


ابتدات الدراسة بتثاقل من قبلي والسبب ان كل من زاملنا بالدخول الى الجامعة كان قد تخرج (باستثناء الفرع المعماري في كلية الهندسة) لابل ان احد اقاربي وكان يسبقني بسنة واحدة اكمل دراسته في معهد الصناعة العالي ذي السنتين واكمل دورة كلية الاحتياط بعد تخرجه وخدم برتبة ملازم ثاني في الجيش لمدة سنة وتسرح وتعين في الرمادي ومن ثم انتقل الى الحلة متقلبا في دوائر الدولة وتزوج وباشر ببناء دار سكنية وعلى وشك ان يرزق بالولد!... وانا لاازال طالب طب ادرس وامامي الكثير!..

كان منهاج الدراسة في الصف الخامس مزدحما كثير المواد حيث الدروس الرئيسية الثلاث الباطنية والنسائية والتوليد والجراحة وهذه يتفرع منها (جراحة العظام والكسور وجراحة الكلى والمجاري البولية وجراحة القلب والاوعية الدموية) ثم الفرعيات الخمس وهي (طب الاطفال والامراض الجلدية وطب وجراحة العيون والامرا ض العقلية والعصبية وطب وجراحة الانف والاذن والحنجرة).. وطبعا يتضمن ذلك محاضرات نظرية وتدريب عملي مما يسمى العيادة الخارجية.. وهو منهاج حافل لايترك مجالا للطالب حتى لان يهرش رأسه!..





كانت البداية في الطب الباطني مع الدكتور (محمد علي خليل المدامغة) وهو رجل انيق نحيف الجسم بشعر اصفر خفيف وفي غاية الادب والخلق وهو خريج عام 953 وكانت محاضراته تتضمن موضوعه المفضل (الغدد الصماء ) والمادة العلمية التي يقدمها جيدة جدا ومرتبة بشكل يقارب كتابا مقرراعلينا وكان يشابه البروفسور (روزبيك) بالنحنحة بين حين وأخر تقطعها كلمة الاعتذار المالوفة (sorry) ولم اره يوما منفعلا ولم يرتفع صوته في اية مناسبة ابدا وكان ياخذ بعض مجاميع الطلبة في قاووش 8 بنفس العلم وكرم الاخلاق..

اما محاضرات الجهاز الهضمي فهي للدكتور (زهير عبد الله القصير) وهو رجل مملوء علماً بسلوكية لطيفة و كان قصير القامة فعلا وممتليء ولم يكن قد اطلق لحيته في ذلك الوقت!.. كلامه هاديء الا انه يتفرس بدقة في المقابل ويفرض شخصيته مع نظراته وكلماته.. وفي احد الايام حينما كنا معه في قاووش 6 حضر لزيارته رجل كبير السن قصير القامة فأستقبله استاذنا باحترام كبير وتبادل معه حديثا خاطفا وخرج بعدها لوداعه ثم رجع ليسألنا: هل عرفنا من هو؟ والم يقم بتدريسكم؟ وعندما اكتشف جهلنا به قال: انه اول طبيب اطفال اختصاصي في العراق من الجامعة الامريكية في بيروت واول مدير لمستشفى حماية الاطفال وأول استاذ لطب الاطفال في كلية طب بغداد!.. وكان عضوا في المجلس النيابي بعد تقاعده وفي النهاية عرفنا انه الاستاذ (عبد الله القصير) وهو والد الدكتور (زهير) وانه حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة اضافة الى ماتقدم وله الفضل في ارساء قواعد طب الاطفال في العراق وافتتاح اول ردهة على شكل خيمة في حديقة المستشفى الملكي..


والدكتور (بديع صبحية) رجل وسيم وكأنه ممثل اجنبي ويرتدي ملابس غاية في الاناقة ولاول مرة أرى من يلبس قمصانا برتقالية وبنفسجية فاتحة وبدلات بلون زيتوني وبالاختصار كان بديعا كصفة وكأسم وكمنطق وعلمه كطبيب اختصاصي ممتاز ومحاضراته في بعض امراض الدم والاوعية الدموية (بديعة ) وكان يتمتع بمزاج مرح في القاووش مع المقيمين والمرضى وحتى مع الطلبة اذ انه استقبلنا في اليوم الاول في قاووش 7 واخذ يقرأ أسمائنا وابتدأ باسمي!.. فلما اجبته بنعم.. نظر الي مبتسما وهو يعلق بالانكليزية (طلعت الشمس) فضحكنا على استحياء!.. ولماقرأ أسم زميلي سمير العماري قال معلقا على ضخامته (طلع مذنب هالي) وهنا ضحكنا بلا تحفظ!..

الصورة لفيف من الطلبة مع بديع صبحية في الوسط وسالم الدملوجي



كما قام الدكتور (احسان البحراني) باعطائنا بعض المحاضرات في مواضيع الامراض القلبية ويميزه شعره الخفيف وامتلاء جسمه اما معلوماته فكانت كلاسيكية محضة ولم يكن هناك مايميزه بشكل واضح رغم انني اذكر انني زرته في عيادته الخاصة في شارع الرشيد-المربعة في بداية السبعينات مع عائلة كريمة من منطقة (بيجي) بناء على طلبهم وقد كنت في حينها اعمل هناك في التدرج الطبي ولقد رحب بي استاذي عندما قدمت له نفسي وعند فحصه لرب العائلة الذي كان يشكو من الام في كتفه الايسر ذكر لي استاذي انها حالة ((Frozen shoulderوالمرتبطة بامراض الاوعية الدموية وكان لديه شك من نوع ما عندما فحص ابنتهم العذراء والتي كانت تشكو من اعراض غير واضحة (وحين سألني رايي اكدت له متانة اخلاق الناس هناك بشكل قاطع) وعندها استشار الدكتورة (مارگريت شكري) التي اكدت بعد فحصها وجود اورام ليفية حميدة لدى تلك الفتاة.. وانتفت الشكوك عندها واعجبني تعامله الخلوق جداً.. وعدم تسرعه في اتخاذ قرار يحتمل الخطأ وكان ملتزما بوضع طابع مالي على كل وصفة طبية يصدرها وذلك بموجب قرار ضريبي اتخذ في حينه لم يعمر طويلاً..

بالاضافة الى المحاضرات النظرية في الباطنية كان الدوام يستمر في القواويش وبجداول تضمن مرور الطلبة على كل الاساتذة لغرض تعميم الفائدة ولو اننا لاحظنا اختلافا في المستوى العلمي (وهو مسألة طبيعية) حيث التقينا لعدة مرات بالدكتور (مهدي فوزي) في قاووش 6 وهو من خريجي الثلاثينات ويبدو بقامته الطويلة وابتسامته الوضيئة وكأنه اب للجميع يمزح مع الطلبة ويكثر الثناء عليهم ويداعب المرضى ولايدخل في تفاصيل المرض او العلاج الا قليلاً.. والحقيقة ان هذه الصفة تلازم الطبيب غالباً وليس دائما عند تقدمه في العمر وبعد قيامه بالتدريس لدورات كثيرة!..

اما الدكتور (حسين ثابت الاورفلي) وهو في قاووش 7 رجل ممتليء الجسم مستدير الوجه وشعره مفروق من الوسط.. فكانت طيبته البالغة تسمح للطلبة بأخذه هنا وهناك الى الحالات المرضية البسيطة وبطرح اراء متناقضة لايمكنه اتخاذ راي قاطع بشأنها ولاسيطرة له على من معه!.. بينما كان الدكتور (قيس الملّي) وهو رجل بدين وسيم الشكل ولديه معلومات نظرية جيدة الا انه يلقيها بشكل رتيب ومن غير روحية وكأن وجهه من النوع الذي يسمى ((Poker Face عليه كنا نحلق باذهاننا عالياً.. وهو منطلق في شروحات فائدتها العلمية محدودة بالنسبة لسارحي الفكر وطبعا يمكن العثور عليها في الكتب بشكل اكثر تنظيماً!..

كنا نسمع في تلك الفترة عن حدوث انشقاقات في الحركات السياسية ومحاولات استقطاب العناصر الى هذا الجانب او ذاك والحقيقة انني كنت استمع لتلك الامور من وجهة نظر مستقلة حريصا على اهتماماتي السينمائية والادبية بشكل اكبر ولقد وصلت الامور يوما الى ان يطلب مني زميلي (اسماعيل عبد الله علي الشورنك) وهو من اهالي البصرة ومن المغرمين بالسينما مثلي ضرورة مشاهدة ثلاث افلام بادوار متتابعة والا فانها ستفوتني وعندها سأتعرض الى تجميد عضويتي في نقابة (السينمچية) التي يرأسها هو!.. وأن السبب هو عدم متابعتي لجدول برامج دور السينما في الصحف المحلية (وانا لله وانا اليه راجعون )!..

كانت محاضرات الجراحة العامة تقدم من قبل الدكتور (حسين طالب) وهو شقيق رئيس الوزراء (ناجي طالب) ومن مدينة الناصرية اصلاً وهو رجل يميل الى القصر الا انه يمشي باعتداد منتصب القامة وكان موضوعه المفضل جراحة الغدد الصماء.. كما كان يميل الى اجراء عمليات جراحية معقدة لم يكن بقية الجراحين يميلون الى الاقتراب منها (مثل نقل جزء من القولون لكي يحل محل المريء عند الاصابة بورم هناك) والنتيجة هي وفاة المريض بعد فترة طالت او قصرت نتيجة الاختلاطات!.. واذكر اننا حضرنا يوما اجتماعاً سريرياً لحالة مشتركة بين الطب والجراحة لدى مريض طحاله متضخم بدون اعراض اخرى وقد وجه الدكتور (امين جريديني) سؤالا حول امكانية أخذ عينة من الطحال لغرض دراستها من الناحية الباثولوجية الا ان الدكتور (عبد الكريم الخطيب) اجابه ضاحكاً.. ذلك لايمكن بدون استئصال الطحال ولكن الدكتور (حسين طالب) كان نجم الاجتماع بما طرحه من اراء واقتراحات دفعت زميلتي (جنان صديق بكر) الى ان تقول هامسة لي (اليوم الدكتور حسين.. بدَع)!..

اعطانا الدكتور (تحرير الكيلاني) محاضرات تستكمل جراحة الامعاء الغليظة والمستقيم وكذلك الدكتور (زهير البحراني).. كما اخذنا نذهب الى العيادة الخارجية لغرض التعرف على حالات اخرى واذكر يوماً انه كانت هناك معنا سيدة كبيرة السن ضخمة الجسم بطيئة الحركة ترتدي ملابس ملونة وتحمل مظلة مطرية في الصيف اللاهب وتسجل ملاحظات من كلام الدكتور (عزيز محمود شكري) في دفتر صغير اثناء قيامه باحاديث عامة عرج خلالها على أنتقاد اخيه اللواء (شاكر محمود شكري) قائلاً (اخويه مكيف صاير وزير دفاع) ولقد قطع الدكتور (عزيز) كلامه ذاك قائلا لها مشيرا الينا.. "شدتكتبين يا باسمة؟ ذولة الملاعين حتى محاضراتنا ميكتبوها؟!".. ولقد عرفنا فيما بعد مأساة هذه المسكينة المشابهة لمأساة (وليد توما جرداق).. وكذلك لرجل بدين متقدم في العمر اسمه (ضياءالدين الدخيلي) كان يقرأ في مكتبة الكلية بكتاب (دافيدسون) دائما ويحضر محاضرات الاساتذة الزائرين موجهاً اسئلة غير مالوفة!.. بل يمكن القول انها نادراً ما تكون في صلب الموضوع!.. وعلى الاغلب تمس موضوعاً أخراً مثيراً احراجاً للزائر وضحكاً محبوساً بين الطلبة!.. وتبين لنا بعد السؤال انه من دورة الدكتور (سالم الدملوجي) اصلاً!.. وسماه في مذكراته (الطالب المزمن) الذي لم يتخرج ابداً.. ولقد رقن قيده بسبب رسوبه مرتين في البكتريولوجي لذا كان يكره بشدة الاستاذ (بيتى) مدرس تلك المادة وقد شمله (الزحف) بعد تموز 958 ومرة اخرى رسب في الصف السادس!.. ويذكر عنه انه شكى حاله تظلماً الى الوصي (عبد الاله )عندما كان يزور الكلية لتفقدها يوماً وبصوت عال وامام العميد وعدد من الاساتذة.. وطبعاً لم يستفد شيئاً!.. وهذه جناية الكلية الطبية على بعض طلبتها من الجنسين في كل العهود والاوقات!..

كانت محاضرات الامراض النفسية والعقلية تقدم من قبل الدكتور (يوسف القاضي) وهو رجل في اواسط عمره يتحرك ببطء ويتكلم بهدوء وبلهجة محببة تفيض طيبة لموضوع جديد يصعب فهمه واستيعابه وكانت المحاضرات مطبوعة والامراض النفسية تكاد تكون تكثيفاً للسلوك الانساني في الواقع وتتداخل الاعراض في الكثير منها ومما اثار استغرابي تركيز العالم (فرويد)على العامل الجنسي في تفسير الكثير من السلوكيات والانحرافات!.. ومن المصادفات انه عرض في تلك السنة فلم سينمائي عن حياته قام بالدورالرئيسي فيه الممثل اليهودي الوسيم (مونتغمري كلفت) ولاازال أذكر وقوف الدكتور (فرويد) أمام اعضاء الجمعية الطبية في اوربا وهو يدلي بأرائه العلمية المثيرة للجدل والاستنكار وصيحات الاستهجان (وحتى معارضة صديقه الحميم الدكتور بروير) وكيف اندفع رئيس الجمعية في النهاية الى ان يعلن الحكم على اراء (فرويد) بتورية وتهكم وهو ينتقدها:

we have heared things which are true and others which are new

the true are not new while the new are not true

كذلك لم اكن وانا اقرأ تلك النظريات التي تخص التحليل النفسي لاستطيع التفريق بين نظريات (أدلر) و(يونغ) في الاضطرابات النفسية بشكل واضح ولا تبدو الفوارق بينها ملموسة والغريب ان غالبية الطلبة حين يقرأون الامراض العقلية واعراضها من القلق والوسواس والذهان والاكتئاب وانواع الشيزوفرينيا يتصورون انهم يعانون بانفسهم من احدها.. او بعضها!.. لتطابق الاعراض مع تصرفاتهم على نحو او أخر حتى ذكر الاستاذ (يوسف القاضي) نقلا عن الدكتور (جاك عبودي شابي ) مؤسس الطب النفسي في العراق ان الانسان الطبيعي هو الذي يتصرف بالقليل من كل تلك الاعراض.. وعندها فقط حل الارتياح لدى الطلبة!.. وكان ذلك في العيادة الخارجية القريبة من كلية الصيدلة حيث كنا نقوم بزيارتها للاطلاع على نظام العمل فيها ويتم اختيار مريض او اكثر لدراسة حالته بالتفصيل كجزء من التدريب على اعمال الطب النفسي وكان الدكتور (القاضي) يوصي لبعضهم بالعلاج الدوائي ولاخرين بالرجّات الكهربائية وعندما سألناه عن طبيعة عمل تلك الرجات E C T)) قال ضاحكاً اننا عثرنا عليها مصادفة!.. وان بعض المرضى يستفيدون منها لفترات تتباين في الطول.. واخرين تكون استفادتهم بشكل جزئي ويبدو انها تعيد كهربائية الدماغ الى حالة البداية أي (Start) ولانعلم اكثر من هذا!..


ولقد اتيح لنا ان نشاهد اجراء عملية الرجّة الكهربائية لمريض كان هادئا تماما بل انه استلقى بنفسه على منضدة مشابهة لاسرة الفحص وتم امساك اطرافه الاربعة من قبل المعينين واحد ذويه وتم وضع لفافة صغيرة في فمه لكي تتحمل شدة العضة اللاارادية التي تصاحب الاختلاجات العضلية القوية عقب مرور شحنة الكهرباء عبر قطبين حديديين يربطان على جانبي الرأس وتحيط بهما حافظة مطاطية والشحنة لا تتجاوز 110 ڤولت ويبقى المريض المسكين يتشنج ويختلج لفترة متطاولة ويغرق في نوم عميق بعدها.. وكان الاستاذ (القاضي) يكثر من الاشارة الى مايسميه (البعيرة) وهو الخط البياني الذي يضم الغرائز الدنيا والانا والانا الاعلى وتقسيماتها في طبقات الوعي وقبل الشعور واللاشعور وهي كلها مسائل افتراضية ويحتمل كثيراً انه لاوجود لها الا نظرياً فقط!..

اخذنا الاستاذ (القاضي) يوماً لزيارة (الشماعية) وهي المستشفى المخصصة للمرضى المصابين بالامراض النفسية والعقلية وهي بناية كبيرة كائنة في منطقة متطرفة من بغداد و مكونة من اجنحة متعددة ومتناثرة وأولها كان لبعض المرضى الذين هم بحالة صحية حسنة نسبيا ووجدناهم جالسين الى منضدة كبيرة ويقومون باعمال بسيطة مثل عمل الازهار الصناعية والتطريز وتزيين الصور وغيرها.. غير انني لاحظت ان هؤلاء المساكين كانوا يشبهون الالات بحركاتهم وعدم وجود أي نوع من التعبير على وجوههم رغم الهدوء والمسكنة البادية عليهم وحتى انني لمست انهم يشعرون بخوف نسبي (لااعرف سببه) يجعلهم لا يوجهون نظرات مباشرة الى زائريهم!..

انتقلنا بعدها الى احدى ردهات النساء ولقد تبادل الدكتور (القاضي) السلام بحرارة مع مريضة في طور الكهولة بشعر منفوش وعينين حولاوين وبدانة على قامة قصيرة وملابس متنافرة وكان اسمها(دولت) وقد انطلقت تروي لنا بناء على طلب الاستاذ رواية تاريخية عن خليفة في الزمان القديم ومشاكل حريمه في القصر ووزيره وكانت تروي بشكل منظم ومتسلسل من غير عثرات الا انها قطعت الرواية قبيل الانتهاء وانطلقت تتمازح مع الطالبات بكلام مكشوف وعلق الدكتور القاضي ان حالتها هي (Hypomania) وكانت الاعراض المذكورة في المحاضرات النظرية عند قرائتها تنطبق عليها تماماً!.. وكانت بقية النسوة بائسات بملابس رثة ومنشغلات عن ماحولهن نصف واعيات يشتغلن بتحضير طعام اوشاي وما اشبه وفي ردهة اخرى للرجال كانت الحالة مشابهة عدا وجود طاولة للعب المنضدة في ساحة الردهة المكشوفة وجرب بعض زملائنا اللعب مع بعض المرضى اللذين ابدوا براعة لاتنكر في البنغ بونغ ولقد استقطب احدهم مجموعة من الطلبة ليروي لهم مأساته التي لم يستطع ايصالها الى احد وهي انه كان موظفا في محطة للقطار واكتشف بطريق الصدفة مخالفات لم يحدد نوعها مما دفع المدير وبعض الموظفين من بطانته الى فبركة قضية اتهامه بالجنون وادخاله الشماعية ومنعه من مقابلة ذويه ولقد اقتنع الطلبة بكلامه لحين استماعهم الى تشخيص الحالة من الاستاذ (القاضي) وهي انه مصاب بما يعرف ب (Obssesive neurosis) وقال ان هذا المريض جلب الى المستشفى بواسطة ذويه وانه لم يكن موظفا على الاطلاق!.. وان من صفات هذا المرض قوة الاقناع باسلوب لايتطرق اليه الشك غالباً!..

وكانت هناك ردهة مغلقة الابواب بالسلاسل الحديدية ويظهر مرضاها من خلف القضبان باوضاع غير طبيعية!.. وقيل لنا ان هذه هي ردهة المرضى الخطرين.. ولقد بقينا نفكر في كيفية ايصال العلاج والطعام اليهم وكيف يتم فحصهم الدوري وعندما صرنا خلف الردهة وهي قاطع منعزل بحد ذاته كان هناك شباك عال مشبك بقضبان طولية وخلفه بعض اولئك المساكين وهم يصفقون على ايقاع راقص كان يصدر من الداخل بالقرع على القدور بالمغارف المعدنية مع غناء يشبه العويل وصراخ من الحان شعبية!.. وكان هناك شخص واقف قرب الجدار الخارجي ينظر اليهم وهو يشارك بالتصفيق مبتسما ويتلوى ويتثنى ويهز كتفيه راقصا على ذلك الايقاع مما دفعنا الى الضحك باستغراب والتساؤل عمن هو المجنون منهم هذا ام اولئك ؟.. وقال واحد منا (يمعودين.. إمشو.. يجوز إحنه ؟)!..




وفي طريق العودة سائرين بين الحدائق الصغيرة التي كان يعمل فيها بعض المرضى لحق بنا مدير المستشفى الدكتور (فيلكس جرجي يوسف) وسلم على الدكتور (القاضي) باحترام وكان يسير متاخراً عنه قليلاً تأدباً.. واتيح لي ان اسمع جانباً من حديثهما وكان الدكتور (القاضي) يشدد على فضل الدكتور (جاك عبودي شابي) (من خريجي الدورة الاولى للكلية الطبية) في تاسيس الطب النفسي وهذه المؤسسة بالذات وان الناس يسمونه (جاكي عبود) وهو يهودي من اهل البصرة وعالم نفساني من الطراز الاول وقد حصل على اختصاصه في الامراض النفسية والعصبية من المملكة المتحدة وعاد الى العراق لكي يعمل مع الدكتور (هانز هوف ) والذي هو احد تلاميذ (سيجموند فرويد) نفسه..وكانت للدكتور (جاك) تجربة معالجة بعض الامراض العقلية بوسائل غير مالوفة وقتها, وقد قدم اول حالة من مرض الشلل الرخوي (Guillen Barre Syndrome ) في ندوة علمية وقد بقي في العراق لحين احالته على التقاعد..



وبعد نكسة حزيران عام 967 اوقفه بعض رجال الشرطة عند انتهاء عمله في عيادته الخاصة ظهراً وذلك مقابل البنك المركزي في شارع الرشيد وسلبوّه سيارته وتركوه واقفا تحت اشعة الشمس الحارقة انتقاما منه لانه يهودي؟!.. وحين توقف احد الاطباء من تلامذته لغرض ايصاله بعد ان رأه واقفاً في عرض الشارع.. رفض الدكتور (جاك) ذلك لكي لا يعرض زميله ذاك الى مشكلة ما, واصر على الذهاب بسيارة اجر..ة واعتكف في بيته لاشهر واعيدت بعدها سيارته اليه بعد ان وصلت المسألة الى جهات عاقلة عليا!.. واضطر الى ترك البلد الى بريطانيا قائلا انني (عراقي).. ولن اهاجر الى اسرائيل!..

كان الدكتور القاضي يذكر عن ( جاكي عبود ) انه يتحدث اللغة العربية المفخمة بلهجة بصراوية... وان الرذاذ يتطاير من فمه اثناء كلامه مع العلم الذي يبهر من يسمعه (حسبما قال)..

[ وبمناسبة ذكر (حسون الامريكي) فقد قرأت على احدى صفحات الانترنيت وهي (منابر العراق الثقافية) .. الموضوع التالي عن (حسون الامريكي)...

هو حسون بن كاظم بن عيسى العبيدي من مواليد 1929 وتوفى رحمه الله عام 1985 على اثر ( جلطة قلبية (heart attack ... حسون الأمريكي ولد في محلة الصليخ القديمة في رصافة بغداد.. واكمل تعليمه في مدرسة الاعظمية الاولى للبنين وتخرج من ثانوية المشرق الاهلية..

مِن الظواهر التي عرفتها بغداد - في خمسينيات من القرن الماضي - ظاهرة حسون الأمريكي كما لقبه البغداديون في ذلك الزمن.. وكان يشاهد عصراً في شارع السعدون حيث كان يمتطي دراجة سباق ويرتدي بنطلون شورت وقميص مزركش وخوذة واقية وجوارب مقلمة أشبه بجوارب لاعبي كرة القدم ايام زمان!..

أحيانا كان حسون يتمشى بالعصرية مع كلبه مرتديا بنطلون جينز وقبعة كاوبوي وحذاءه المشهور المعقوف من الامام والذي كان يسمى (چم چم) .. وأحياناً يظهر في الشارع مرتديا بنطلون فاتح اللون وسترة غامقة وحذاء قبغلي مع جوارب صفراء اللون!..

في أوائل الستينات ضيّفه التلفزيون بصحبة دراجته وبزيّه المعتاد ، وأجاب على اسئلة مقدم البرنامج شارحاً وجهة نظره في زيّه ، واعتبره الزي العصري المتمدن ، ثم شارك في تمثيلية عرضت في التلفزيون ، ألفت خصيصا له حيث جرى الحوار بينه وبين أبيه في التمثيلية وطرح فكرته عن تصرفه وملبسه ... ودعا الشباب الى ان يتمتعوا بحريتهم العصرية ، من دون الاعتداء على حرية الآخرين .. وانتقد تصرفات المراهقين في السينما والشارع وتحرشهم بالفتيات!..

ان تصرفات حسون الأمريكي كانت تعد تحدياً لذلك العصر وتظاهرة سلمية ، وبعد فترة سنوات اعتزل الناس هروباً من تعليقاتهم الساخرة والمؤلمة أحياناً ، ولكنه أصر على تحديهم لاعتقاده انه يتمتع بحريته الشخصية التي تساير العصر المتمدن .. وصار حسون الأمريكي من ظرفاء بغداد المشهورين وتناولت الصحف أخباره..

وحسون الاميركي هذا الرجل الوديع والمسالم الذي فرض حضوره على الجميع وجعل من شكل ملابسه محط انظار كل من يراه من الناس في الشوارع سبق عصرنا الحالي بعقود طويلة حيث كان يرتدي ما يحلو له من القمصان ذات المناشئ المعروفة بجودتها وجودة صناعتها من الاقمشة ومن بينها قمصان تحمل علامة”آرو “ وهي العلامة التجارية والممتازة آنذاك .

الكلام عن حسون الامريكي يطول بامتداد الشوارع التي كان يقطعها ويخرج على الناس كل يوم بشكل وزي جديد ، فقد ارتدى القمصان التي تحوي غابات افريقيا وقمصان ذات الوان صارخة لم يستطع غيره ارتداءها والمغامرة بالخروج بها وسط الشارع ،، وتنتصب على صدره قلادة والاكثر من هذا ان حسون الامريكي كان يسحب وراءه كلبه المدلل اينما حل .

هي نزعة من التمرد في ذلك الوقت على التقاليد السائدة انذاك على الرغم من أن الكثير كانوا انيقين بحسب ظروفهم المادية . ولكن نزعة التمرد التي كانت عليها شخصية حسون الامريكي لم تطو تحتها نزعة شريرة او ما شابه ، فقد كان حسون الامريكي محبوبا من الجميع بشهادة اكثر من شخص عايش فترته ، كما لم يكن عاطلا يأخذ مصروفه من اهله ، او يعتاش على ما تجود به ايدي الخيرين فقد كان يعمل مضمدا او ممرضا في مدينة الطب (المستشفى الملكي - المجيدية) سابقاً .

ومن الاعظمية حيث مسكنه ينطلق ماشيا قاطعا شوارع العاصمة وكان يتحدث الانجليزية نوعا ما ويرطن به حسب قدرته . يقال ان حسون الامريكي وبحكم وظيفته مضمدا كان يبدو نظيفا وانيقاً، وكان شغوفا بالاطلاع على احدث مجلات الازياء التي تصدر من دور الازياء العالمية التي كانت ترد الى العراق مع بقية المطبوعات الاخرى التي تعنى بالزراعة والطبخ وفنون الاتكيت .

ويقال أيضا عن هذه الشخصية الفريدة من تاريخ عاصمتنا بغداد انه كان حريصا على متابعة الافلام الغربية التي كانت تعج بها دور العرض السينمائي يؤكد البعض أن حسون الامريكي وبعد ان يخرج من الفيلم ومشاهدة احداثه يقوم بتقمص شخصيات ابطاله!

اما اختياراته لثيابه من حيث البنطلون والقميص فقد كان يختارها من افخم المخازن واكثرها شهرة وعراقة امثال”اورزدي باك “ و”حسو اخوان “ ومثيلاتها من معارض الالبسة آنذاك ... وينقل عنه انه كان رجلا لا يحب العنف بل على العكس فقد كان موضع احترام الناس وبشاشتهم له حينما يلتقون به او يجمعهم مجلس معه، ويتمتع بروح النكتة البريئة بعبارة ادق كان رجلا خفيف الظل ، ويملأ جو الجلسات بقفشاته الجميلة وان الذي جعله على شكله وحاله هوم انه رجل اجتماعي وليس انعزاليا كما يقول ناس ذلك الزمن، وحينما يبادره احدهم بـ "صباح الخير" كان حسون يرد بـ" كود مورنينك " باللغة الانكليزية!

ان الكثير من ظواهر العقود الطويلة التي مرت على بغداد افرزت شخصيات في الادب او الرياضة او السياسة او التاريخ، والى جانب هذا وذاك ظهرت شخصيات تفردت بتميزها عن الاخرين على مستوى التصرف او السلوك ومنها ما كان استثنائيا في ارتداء الملابس امثال حسون الامريكي حيث بقي حديث اهالي بغداد عموما لما كان يظهر عليه من ملابس لغرابتها وتميز الوانها ومناشئها ..] انتهى الاقتباس

اعطانا الدكتور (ارتين دير قنطارجيان ) محاضرات مرتبة وجيدة المستوى في امراض الاعصاب وكان ارمنيّاً وسيماً قصير القامة انيقاً بشعر اسود وحاجبين مزججين يلفتان النظر وله صوت منغم في استخدام الالفا ظ يغطي القاعة بوضوح تام وكان يأخذ الطلبة في قاووش 3 لغرض الاطلاع على بعض الحالات المرضية هناك.. ومن المعروف عنه اهتماماته بالموسيقى الغربية والغناء وكانت عيادته الخاصة في شارع السعدون قريبا من (سينما النصر) المعروفة..

كان والد زميلنا (محمد تقي المرعشي) قد حضر الى العراق قادما من (زنجبار).. وذهبنا لرؤيته وكان شيخاً كبير السن بلحية بيضاء كبيرة ويلبس العمامة ويتكلم العربية الفصحى ببعض العثرات.. ولقد توفي بعد فترة وجيزة وذهبنا الى مدينة النجف لغرض حضور مجلس الفاتحة وكان معي زميلي (هاشم) والسوداني (عبد الرحمن عبد الحفيظ) وسوداني اخر لم نكن نعرفه ولم يكن طالبا معنا واكتشفنا ان افكاره يسارية بتطرف من خلال الاحاديث التي دارت بيننا في الطريق!.. وكان الانطباع الذي تكون لدينا من مزاملتنا للطلبة العرب ان السودانيين مثقفون حقاً, بعكس المصريين الذين يميلون الى المزاح والقفشات والنكات!.. وبعد قيامنا بتقديم مراسم العزاء الى زميلنا (المرعشي) بحضور بعض رجال الدين في دار تعود لاحد اقاربهم هناك في احد الازقة القديمة القريبة من مرقد الامام علي بن ابي طالب (ع) وعند مغادرتنا الزقاق كانت جموع الناس رائحة وغادية في تلك المنطقة التي هي مركز المدينة والعشرات يدخلون الى المقام لاداء الصلاة والاضواء الساطعة احالت المنطقة الى جو ساحر وصوت الاذان المنبعث بواسطة مكبرات الصوت من اعلى الصحن الشريف ودقات الساعة المصاحبة له تبعث نشوة روحانية وكان السوداني الغريب يراقب مايجري ويستفسر عن هذا وذاك من الامور ودار الحديث حول الشعائر الدينية وعادات اخرى تجرى في ايام عاشوراء.. وأذا بهذا الشخص يوجه مايشبه سؤالا اواقتراحا (ولربما كان نوعا من جس النبض)مفاده .. لماذا لاتقوم الحكومة بشكل او بأخر بتفجير هذا المرقد لكي تقضي على مايمثله هذا الرمز.. والعادات والتقاليد التي تتبع وجوده؟

كان طرح مثل ذلك الرأي قد اصابنا بصدمة شديدة لوقاحة هذا الغريب اللامتناهية وعندما اعترضنا على كلامه ذاك رد قائلاً انه يقصد ان يتم تدبير ذلك بشكل لايثير الشك!.. وكان ذلك عذراً اقبح من ذنب (ان كان لنا ان نعد ذلك عذرا) ولما لاحظ علائم الاستنكار الواضح على وجوهنا التزم الصمت.. وبعدها بقليل انسحب مع زميله من رفقتنا, بعذر من نوع تذكر التزام ما.. واختفيا بين الجموع ولم نره بعد ذلك ابداً..

قمنا بأستئجار سيارة صغيرة لغرض العودة الى بغداد واشار الدلال الينا باخذ مقاعدنا لحين حضور السائق فركبنا وكان هناك رجل نحيف يرتدي سترة ودشداشة وكوفية يحتسي شاياً من بائع متجول وهو يمازحه قائلا له ان هذا الشاي ليس به (مونة) وبعدها ركب السيارة وكان هو السائق والمصيبة انه كان يلبس نظارة طبية بزجاج اخضر سميك من النوع الذي يسمى بالعامية (چعب بطل) وكان اطارها مائلا الى جانب ويقوم هو بتعديله بين فترة واخرى ولا حظنا انه كان يسرع في السياقة عندما يكون الشارع فارغا وعند قدوم سيارة من الجهة المعاكسة فأنه يبطيء تماما ويأخذ الطرف البعيد من الشارع وكان الوقت قد تجاوز الغروب وأبتدا الظلام يخيم على الطريق ولا ادري ما الذي دفعني الى أن أساله عن نظارته هذه لانها تبدو ذات درجة خاصة!.. واين اجرى الفحص الذي أفضى اليها؟ واذا به يجيب ضاحكا انه شخصيا لايؤمن بفحص العيون ابدا (لأن.. ابن عمي.. كل واحد يحچي شكل!) حسبما قال!.. والحقيقة كما أوضح أن احد الركاب نسي تلك النظارة في السيارة يوما.. ولما قام هو بوضعها على عينيه شعر انها مناسبة لنظره (هكذا؟).. وعليه فهذا هو الامر!.. وعندها التفت الى زميلي وقلت (بالانكليزية) لنا الله.. ستكون معجزة لو اوصلنا هذا الاعمى قطعة واحدة!.. ويبدو انه استشف شيئا من الكلام لانه علق بعدها.. (بس اني اروح وأجي لبغداد يومية)!..

وبعد عناء طال الى حد يكاد لايطاق وصلنا وتم الاتفاق على ان ننتبه الى السائق مستقبلا!.. لا الى السيارة!.. ويفضل ان لايكون احد قد نسي نظارة عنده!..

كان اساتذة فرع العيون ثلاثة ابتدأ المحاضرات الدكتور (جلال الاسترابادي) وهو رجل ضخم الجسم في اواسط العمر اشيب الشعر يتحدث بلكنة فارسية خفيفة ومواضيع محاضراته مرتبة وجيدة اما الدكتور (فكرت شوقي) فانه ممتليء الجسم ويلبس نظارة طبية.. وعلميته جيدة ولو انه جاف الطبع وفي ذات مرة اتيح لي ان اراه يجري عملية ازالة العدسة من عين مريض باستخدام المخدر الموضعي وبمساعدة مضمد في ما يسمى صالة العمليات الصغرى.. وكان المريض يتحرك ويتململ بعدم ارتياح ولم استطع معرفة نجاح العملية من ماجرى!.. باستثناء ترديد الدكتور فكرت (هذا المريض.. عكوسيات)!..

اما الدكتور (غازي حلمي) فهو رجل متقدم في السن وخط شعره الشيب وكان عصبي المزاج جدا حتى انه شتم احدى المريضات يوما في العيادة الخارجية!.. ولم اجد سببا يوجب ذلك حتى في التعامل مع اجهل الناس!.. وبعكس ذلك جامل هو نفسه احدى الطالبات في يوم اخر بانها ولابد ترتدي حذاء من (سعيد حرّاق) وكان هذا اسما معروفا في عمل الاحذية النسائية!.. ومرة اخرى شعرت ان ذلك لامبرر له!.. وفي مناسبة اخرى اجرى فحصا سريعا لعيني زميلي (هاشم).. انتهى بكتابة وصفة لم تحل طلاسمها الا عند الصيدلية التي تقع اسفل عيادته في شارع الرشيد وكانت قطرة(Ophticore ) للعين بنسبة دوائية معينة..

كنا نقرأ مساء احد الايام في حديقة الكلية وانطلقت فجأة اصوات عالية وضرب طبول وتصفيق وضحكاً منبعثة من نادي الكلية.. وانطلقنا الى هناك لنجد بعض الاساتذة كالدكتور (محمد حسن عبد العزيز) وزوجته الدكتورة (سهيلة البغدادي).. والكثير من الطلبة وهم يبدون معالم الفرح والانتشاء وعرفنا انهم في سبيلهم الى السفر الى ايران في تلك الليلة.. وكان معهم (طبعا) الطالب (حميد بهمن) وهو يشنف اسماعهم باغانيه المعادة كثيراً!.. وبقينا فترة نشاركهم حماسهم من بعيد وعدنا بعدها الى المذاكرة مكتئبين على نحو ما, الا اننا فوجئنا برؤية شابة ترتدي عباءة وملابس رخيصة وتثرثر ضاحكة قرب قاعة التشريح وكان معها سرنجات ونيدلات لاتبدو نظيفة واقدمت على زرق نفسها ابرة تحت الجلد.. عرفنا فورا انها (بثدين).. وقد اخبرتنا انها كانت تعمل في التمريض, ومن هناك ادمنت اخذ تلك المادة.. وانطلقت في رواية الكثير من الكذب!.. وقد ارتاحت بعد سريان تلك المادة.. وتالمت أنا لحالتها كثيراً!..

اما فرع الانف والاذن والحنجرة فأبتدأ مع الاستاذ (حسني الالوسي) وكان لديه اختصاص عال بفرعه ذاك وهو رجل ضخم الجسم يمشي ويتكلم بوقار مع اناقة في الملبس ومعلومات ممتازة تغني الطالب عن البحث في الكتب, اما زميله الدكتور (ستراك اوانيسوف) وهو ارمني كبير السن فيرتدي ملابس من طراز قديم وبنطلون بشيالات وتميزه نظارة يربطها شريط قماشي حين يتركها تتدلى على صدره ليلبس اخرى غيرها ذات أطار عادي.. ويظل يناور بين هذه وتلك!.. وصوته يشبه صوت الذين يصيبهم تضخم الغدة الدرقية مع معلومات كلاسيكية كنا نحرص على كتابتها بدقة.. وكانت عيادته في شارع السعدون بعد سينما اطلس واعتقد انها سكنه ايضا..

اما ثالث الاساتذة فهو (ضياء الدين النواب) وسمرته الشديدة توحي بأصل هندي بعيد وله صوت جهوري يغطي كافة ارجاء القاعة اثناء القاء المحاضرة!.. ولقد كنا معه يوما في القاووش حين حضرت طفلة صغيرة جميلة جدا وافادت والدتها انها لاتستطيع الكلام رغم ان عمرها ثلاثة سنين.. وعندها وقف الدكتور النواب الى الخلف وصاح بصوت عال باسم الطفلة وهو (عروبة).. فلم يظهر أي نوع من الاستجابة لدى تلك الطفلة.. وعندها شرح لنا ان هذه الحالة اصلاً هي صمم ولادي.. ولذا فان الطفلة لم تسمع اية مفردة لتتعلم الكلام!.. وان المعالجة يجب ان تبدأ من هنا بأجراء تخطيط للسمع وتحديد الخلل في مجموعة الاذن.


عدنا في بداية السنة الى سماع موضوع اضراب طلابي وبسرعة بالغة تم اجهاض الموضوع والسبب كما عرفنا فيما بعد ان الحركات السياسية لم تكن ترغب في اثارة انتباه الاجهزة الحاكمة الى مايتم تدبيره من محاولات انقلابية من هذه الجهة اوتلك.. ولقد جرت انشقاقات في الاحزاب الرئيسية وكان هناك كلام عن مجاميع مسلحة تقاتل في الاهوار!.. ونشطت منظمة فلسطينية اسمها (فتح) وكانت اجهزة الاعلام تركز ولربما تبالغ اوتفتعل بعض الاخبار عن اعمال افرادها في الاراضي المحتلة بصيغة (فتح مرت من هنا).. كما تردد ذكر الطبيب الارجنتيني (جيفارا) والذي كان رفيق نضال (كاسترو).. وكيف ترك منصبه الوزاري في كوبا ليؤسس حركة مناضلة في جبال (تشيلي).. وكان ذلك يثير اعجاب الحركات الثورية ويمثل رمزا يحتذى به لدى الشباب.. الا انه اعلن عن القاء القبض عليه وتصفيته فيمابعد بشكل مأساوي!.. ولا تزال صورته ممدداً.ز عاري الصدر.. والاطلاقات النارية واضحة على جسده وينحني ضابط امريكي متفرساً فيه وهو يضع منديلا على انفه.. الا ان (جيفارا) كان يبدو جميلاً رغم موته!..


استمرت محاضرات فرع النسائية والتوليد من قبل الدكتورة لميعة البدري (زوجة الدكتور عبد اللطيف البدري) وهي سيدة رزينة تتكلم بتؤدة وتتصرف كأنها أم لطلبتها وكانت تركز في محاضراتها على الامراض المصاحبة للحمل وتفاصيل العملية القيصرية.. ولكنها فوجئت يوما بوقوف طلبة الصفوف الاخيرة قبيل انتهاء المحاضرة فعلاً.. مما دفعها الى التعليق قائلة بوجه مكفهر: (You have no manners)..

وتكرر نفس الموقف مع الاستاذ (كمال السامرائي) اذ انه حضر يوما متأخرا عن موعد المحاضرة بعشرين دقيقة تماما واعتذر عن ذلك بقوله ان لديه التزام مع مجلس الجامعة والحقيقة اننا لم نعرف بالضبط هل ان التزامه ذاك انتهى بهذه الفترة من التأخير.. أوإنه سيترك المحاضرة للايفاء به الان.. غير انه انطلق يكتب ويرسم ويشرح موضوع الحمل خارج الرحم حتى نهاية الساعة المقررة وكان حينها يواجه السبورة والمحاضرة بدت وكانها وصلت الى نهايتها.. وتكرر سيناريو وقوف طلبة الصفوف العليا واغلاق كتبهم على اعتبار ان المحاضرة انتهت فعلاً.. وهذا يكلم ذاك وعندما استدار الاستاذ (السامرائي) فوجيء بذلك المنظر.. فوجم قليلا والقى قطعة الطباشير من يده وغادر القاعة بوجه مربد من غير ان يقول شيئاً!.. ولاحظنا ان كلا من الاستاذين (لميعة البدري) و(كمال السامرائي) لم يحضرا الينا بعدها وقاطعا تدريبنا العملي بتجاهل واضح.. ولم يشاركا في الامتحان النهائي لحين تخرجنا من الكلية وانني لاعتقد ان المسألة كانت تتطلب زعلاً اقل.. او اعتذاراً يقدم من بعض عقلاء الطلبة.. وكلا الامرين لم يحدث!..

اعلن بشكل مفاجيء عن النية في اجراء انتخابات طلابية لاختيار ممثلين للطلبة, وانشغلت الجموع الطلابية بمحاولة كسب الاصوات والتثقيف هنا وهناك.. واجراء الحسابات المختلفة.. وكانت النتيجة فوز من يمكن تسميتهم بالقوميين وتلاهم اليساريون.. وبعدهم انصار انقلاب شباط وطبعا جرى تبادل الاتهامات وتقديم الطعون والمشاجرات!.. وظهر جليا خلو المسالة من أي مكسب للطلبة وانتهت التجربة فشلا باسرع مايمكن!.. الا انها اثارت شجارات هنا وهناك فقد قام الطالب (خميس مهدي الربيعي) بالاعتداء بالضرب الشديد على طالب اسمه (شهاب) في قاعة المحاضرات (والاول ذو ميول قومية.. والثاني متدين شرس.. مع ارتباط باجهزة استخبارية!).. وبعد مدة تشاجر الثاني مع طالب اسمه (سعد سعدون) وعثر مع (شهاب) على مسدس يحمل علامة مثلث عسكري، وقد اخذه منه عنوة واتيح لي ان اراه (السلاح) بنفسي في بيتنا فيما بعد غير ان ذلك الطالب ذهب الى دائرة الانضباط العسكري بعد ان سلب مسدسه منه وعاد وبصحبته احد منتسبيها!.. وقرب قاعة المحاضرات التقيا بالطالب الصابئي (امتحان معن) وحاولا اعتقاله لانه يساري حسبما اشار الطالب (شهاب) على ذلك العسكري.. وتصادف وجود الطالب (يوسف موسى الموسوي) مع بعض الطلبة فأثاروا ضجة بوجه ذلك المنتسب العسكري وارتفع الصياح!.. (والغريب ان صوت يوسف عند انفعاله يتحول الى طبقة رفيعة مشابهة للصوت الانثوي!).. وانطلقت الاصوات (ماكو حرمة للكلية.. ماكو عميد)!.. وقام (يوسف) بجرجرة الجمع الى غرفة العميد وسحبنا (امتحان) من بينهم لكي يندفع باتجاه الدرج الخلفي ويغادر من خلال الطابق الاعلى ونزولا عبر السلم الوسطي الى العيواضية ولا أعرف كيف احتوى العميد ذلك الموقف وظل (سعد) و(امتحان) منقطعان لفترة عن الدوام!.. وكان ل(سعد) اختان.. احداهما هي طبيبة واسمها سميرة (مقيمة قدمى في النسائية) والاخرى (ساهرة).. وهي من الدورة التي تلينا وقد تصرفت بشهامة وادب كبيرين لحل الموضوع عن طريق الطالب (عبد الودود القيسي).. وهو من الطلبة الذين يدرسون على حساب وزارة الدفاع ويحترف الملاكمة وصديق ل(شهاب) المذكور.. وهدأ الموضوع تدريجياً!..

حضر الاستاذ (جورج فرج عبد الرحيم) لالقاء المحاضرة الاولى في فرع الامراض الجلدية والتناسلية وكان رجلا نحيل الجسم كبير الرأس اشيب الشعر ولديه زوائد لحمية في وجهه!.. وكانت محاضراته المطبوعة والملقاة ممتازة جداً.. وكذلك تقديمه للحالات المرضية في معهد الامراض الجلدية التي كانت تتم اسبوعياً.. حيث ارانا حالات السفلس وحالات من مرض يسمى(Lupus vulgaris ).. وكان يشارك في تدريسنا هناك الدكتور (محمد حسين جعفر) والذي كان يكثر في كلامه من الاشارة الى الماضي على طريقة (احنه من چنه).. مع بعض الاراء التي يقصد منها ان تكون موحية بمحتد ارستقراطي!..

اما الدكتور (أسماعيل حسن سامي التاتار) فكان رجلا ممتليء الجسم وسيماً.. تميزه نظارة طبية معتمة يتعامل بلطف مع طلبته ويتبادل معهم المزاح بدون الاخلال بالاحترام المطلوب من الطرفين.. ولقد حضرت يوما السيدة (نزيهة فرمان) التي كانت تعمل في قسم المختبرات واختصاصية في الامور المناعية والكروموسومات جالبة طفلة مصابة بالتحسس الغذائي ودار حديث علمي طويل بينها وبين الدكتور (التاتار).. كان مفيدا للطلبة من كل الوجوه.. وبعد انتهائه قال لنا استاذنا ان من الافضل لنا الذهاب الى النادي واخذ ركن مناسب هناك.. لرصد حالات اكثر صحة وعافية من هذه!..

كنا قد تعرفنا الى السيدة (نزيهة فرمان) قبل ايام فقط حيث كانت هناك محاضرة ليلية تقيمها نقابة الاطباء في قاعة التشريح ضمن منهاج النقابة العلمي, وكان يدير الجلسة الدكتور (طارق ابراهيم حمدي). ولكن الحاضرين لم يكونوا حتى بعدد المحاضرين ولابد ان السبب كان خللا في التبليغ.. وكذلك الوقت.. مما دفع احدى الطبيبات المقيمات للذهاب بسرعة, واحضار الاطباء المقيمين ممن لم يكونوا قائمين بواجب الخفارة.. وشيئا فشيئا اصبح عددالحضور لاباس به.. وكانت محاضرة السيدة (نزيهة) معقدة جدا!.. وذلك لكونها كانت قد حصلت على الاختصاص في تلك السنة بالذات!.. وقام احد الحاضرين بتوجيه سؤال واحد فقط اليها.. ردت عليه بسهولة!..

اما فرع الاطفال فكانت المحاضرات الاولى للدكتور (سلمان تاج الدين).. وهو رجل متوسط السن ابيض اللون يبدو كلامه متعثرا اذا ما اسرع حيث لا تستطيع الالفاظ عنده ان تلاحق الافكار غير انه كان طبيب اطفال بارع جداً.. ومحاضراته في اغلبها عن الحليب وصفاته وفوائده وغير ذلك ولذا اطلق عليه تقي اسم (سلمان ابو الحليب)!.. وكان معروفا عنه انه يلازم كتاب( نلسون) للاطفال باستمرار وحتى في اوقات استراحته وسفراته الى الحبانية!..



اما الدكتورة (لمعان امين زكي) (شقيقة سانحة) فهي سيدة رزينة محترمة جدا ومحاضراتها جيدة جدا عن الامراض الشائعة لدى الاطفال ويوما ارتنا حالة (Mongolisim) لفتى كانت تداعبه وتسميه (ابو جاسم) وشرحت لنا بالتفصيل المظاهر الخارجية والاختلاطات القلبية ومستوى الذكاء باختلاف انواع الحالات وحسب فوارق الكروموسومات..

كان ثالث المحاضرين هو الدكتور(عدنان شاكر) وهو رجل ممتليء الجسم قصير القامة لطيف المعشر سواء كان ذلك في محاضراته او لدى استعراض الحالات المرضية في ردهات (حماية الاطفال) في باب المعظم.. غير انه كان يتحاشى الانجراف بعيدا في الامور النظرية ويفضل البقاء قريبا من الساحل!..

كانت ردهات الحماية صغيرة وانيقة وكان الدكتور (لؤي النوري) قد حصل على اختصاصه من انكلترا حديثاً.. وكان مسؤولا عن تدريبنا العملي هنا ك وهو رجل مؤدب يميزه هدوئه ونظارته الطبية البيضاء ومعلوماته النظرية الواسعة اثناء الجولة السريرية التي تطول احيانا حتى بعد الظهر!.ز ومن ممرضات الردهات هناك شابة جميلة اسمها (نورة).. كان الاستاذ (لؤي).. يعتمد عليها كثيرا والاخرى اسمها (عدوية) وهي فتاة ممتلئة الجسم كريمة العين وتعاملها لطيف غير ان تلك المسكينة توفيت اثر اصابتها بداء السكر.. وقيل في حينها انه لم تتم معالجتها بالشكل السليم (رحمها الله)!..

اعلمنا يوما انه سيعقد مؤتمر طبي في (قاعة الشعب) مساء احد الايام وذهبنا الى هناك انا وزميلي (حميد الرفيعي) وكانت تلك هي المرة الاولى التي اراها فيها من الداخل... وهي ذات مسرح عال وكراسي وثيرة بصفوف وسطية ومائلة وشرفة عليا تطل على القاعة نفسها وكان هناك الكثير من الوجوه المعروفة من الاطباء من اساتذتنا وغيرهم.. والكثير من الطلبة من الصفوف المتقدمة وكان هناك الكثير من الضحكات والسلامات والشلل الواقفة.. تتبادل احاديثاً يسميها الغربيون احاديث (الكوكتيل) حيث لا المتكلم يدري عن ماذا يتكلم.. ولا المتلقي يركز على مايسمع!.. ومر قربنا اثنان من اطباء الجيل الاوسط واحدهما يقول بصيغة التأكيد وهو يشير بيده الى شخص في الخلف (قلتللو.. تعرفو.. لهايك؟) وعندها عرفت ان المسالة هي اجراء تعارف مع طبيب ارمني قصير ممتليء احمر الوجه اسمه (هايك ابراهيم بابكيان ) وهو طبيب ENT وعيادته في شارع السعدون والثلاثة هم من الارمن..


واخيرا استقر الجميع في مقاعدهم, بعد ان قام اعضاء لجنة التشريفات بالايعاز بذلك.. ومنهم كان زميلتنا (فردوس الصائغ) وزميلنا (مزاحم صديق احمد أغا).. الذي كان يكثر من التدخين وانطلقت فرقة موسيقى الجيش تعزف بعض الالحان الخفيفة, التي سرعان ماأستبدلتها بالسلام الجمهوري لدى حضور رئيس الوزراء الفريق (طاهر يحيى) وكان بصحبته وزير الصحة الدكتور (احمد الشماع) وبعض رجال الدولة.. وظل الجميع وقوفا حتى الانتهاء من العزف الا ان احدا من الحاضرين لم يصفق ابداً.. وحتى حينما اعتلى المنصة رئيس الوزراء ذاكراً انه يحمل الى المؤتمرين تحيات رئيس الجمهورية الفريق (عبد الرحمن عارف) ومتمنيا للمؤتمر النجاح ظلت القاعة ساكنة تماما.. وعند انتهاء الكلمة صدر تصفيق هزيل جدا بأكف قليلة انتهى مباشرة وكأنه لم يكن ثم القى الدكتور (الشماع).. وزير الصحة كلمة قصيرة فيها اشادة بدور وزارة الصحة والطبيب العراقي لم يكن حظها بافضل من سابقتها!.. وبعدها القى الدكتور (طلال ناجي شوكت) (نقيب الاطباء) كلمة متشنجة وقاسية في التهجم على جهات (لم يسمها) ووصفها بانها تعرقل العمل النقابي وتضع العراقيل امامه, وكان خلالها ينظر باتجاه وزير الصحةّ!.. وانطلق الطلبة القوميون بتصفيق عاصف!.. وكان زميلنا (تقي) ضمن اولئك المصفقين.. وطالت مدة التصفيق فترة سمحت للاحتقان الشديد الذي علا وجه المتكلم المنفعل لأن يزول...

اعطيت بعد ذلك هدايا الى بعض العاملين من الاطباء وقدمها لهم رئيس الوزراء نفسه.. وأخرها كانت مقدمة لاربعة من الاطباء اشتركوا بفعالية وقائية وكان يفترض ان يتقدم اكبرهم سنا لاستلامها حسب الاصول الا ان رابعهم بالتسلسل قفز بشكل نزق وهو الدكتور (سعدون خليفة التكريتي).. وصعد الى المسرح لاستلامها ومصافحة رئيس الوزراء.. تاركا بقية زملائه واجمين!.. وبعدها تم افتتاح معرض دوائي كانت الجموع تجول فيه وقد كنت قريبا من (طاهر يحيى) وهو ينادي وزير الصحة قائلا (تعال احمد.. هاي شنو؟) وهو يرفع بيده قنينة دواء ولم هناك حرس او حماية من أي نوع كان وعندما عدنا الى الدار تشاجر (اسام) مع (تقي) على جلوسه وسط الطلبة القوميين وحماسه معهم..قائلا له (ولك احنه طلاب لابالوزارة ولابالنقابة!.. انت دتصفق على شنو؟.. اريد افتهم ؟) فرد تقي ضاحكا ضحكته المعهودة (وداعتك أسام.. اني هم ماأدري!) !..

اخذنا مجموعة من المحاضرات في موضوع جراحة القلب والاوعية الدموية وسلمت الينا مطبوعة بتفاصيل ملونة وكان الاستاذ المحاضر هو (يوسف داوود النعمان) وكان ممتليء الجسم وكانه ملاكم يلبس بدلة زرقاء فاتحة انيقة التفصيل وهو وسيم بنظارة سوداء كبيرة وسيجار لايفارقه وكان يبدو عليه انه (متنگ) طول الوقت!.. واتيح لنا ان نراه يوما يجري عملية تلوين الشرايين بادخال انبوب رفيع في الشرين الابهر من خلال البطن باذلاً في ذلك جهدا وقوة, وكان خلالها يوجه نقدا لعدم الانضباط في حراسة ابواب المستشفى على العكس من (وأشار بيده الى وزارة الدفاع القريبة )!.. واتبع ذلك بصوت مصمصة عالية تدل على الاستهزاء الشديد!.. وكان يعرف عن (ابي يعكوب) حبه للصيد والاسلحة النارية.. وتذكر عنه نكتة خفية يتداولها الطلبة..

اما الدكتور (مؤيد العمري) فكان يشرف على الطلبة في قاووش القلبية وهو رجل بدين قصير القامة اشيب الشعر يميل الى المرح وكان قبل ان يبدأ الجولة السريرية يمازح الاطباء المقيمين قائلا (ها..اليوم المن نمَوت ؟) وكان من المعروف لدى الطلبة ان نسبة الوفيات هناك لم تكن قليلة على اية حال!.. وعند عودتنا من هناك يوما انا وزميلي (عبد الامير الوديس) وقرب قاعة التشريح فوجئنا بوضع متشنج وصراخ ومحاولات اعتداء بدني بين كل من الدكتور (سعدون التكريتي) والدكتور (حسين رستم) وحولهما جماعة تحاول حجز هذا عن ذاك والاول يهتف (جاسوس.. عميل احدب بغداد) ويرد عليه الثاني بالشتائم وقوارص الكلم من نوع (تافه.. جبان) ويهم بضربه.. لولا وجود بعض الاشخاص الذين شكلوا حاجزا بينهما!..

سألت زميلي عبد الامير مستفسرا عن احدب بغداد.. ومن هو؟ فرد علي وهو يضحك انه (السيد الالوسي).. وهو احدب فعلا قصير القامة..وكأن لا عمود فقري لديه!.. ويشتغل بعلم الفلك والابراج وله جريدة تحمل هذا الاسم!.. صدر منها اعداد قليلة وفي واحد منها انتقاد لوضع المستشفى الجمهوري.. وكيف ان الصحفي المذكور رصد طبيبا وممرضة يتغازلان تاركين المرضى بألامهم ومعاناتهم في احد قواويش الباطنية!.. ولما سألت (عبد الامير) مستغربا عن كيفية معرفته بذلك؟.. اجابني "لانني كنت انا المقصود مع طالبة تمريض اسمها (نعيمة ).. وهذا الاحدب لم يكن يعرف انني طالب ولست طبيبا عندما دخل الى القاووش!.. وقد تشاجرت معه حينها وهدد بانه سيفضحنا في جريدته التي لم تكن معروفة تماما!".. وبعد ان انتهى (عبد الامير) من شرح المسألة برمتها سألته (أموري.. هل انت واثق من انك لست طرفاً في هذه المشاجرة؟)ولما التفتنا ضاحكين لكي نتابع ماجرى!.. وجدنا ان المشاجرة قد انتهت وذهب الكل الى حال سبيله ولم نعرف حقيقة الامر مطلقاً!..

كان فرع جراحة الكلى والمجاري البولية منوطاً بثلاثة من الاساتذة اولهم الدكتور (جابر محسن).. وهو رجل طويل القامة مفروق الشعر, له لثغة تكاد تكون تامة بحرف الراء.. الاانها تكسبه محبة الطلبة وتضفي لمسة لطيفة على تعبيراته الكلامية اضافة الى طيبته وحسن تعامله مع تلاميذه. ولا أزال اذكر مقولته الشهيرة عندما كان يحاضر عن ورم المثانة بقوله عن نتائج المعالجة (What ever you do is wrong ) وقد اجرى يوما بناء على توصية المقيم الاقدم الدكتور (طالب الحسني) عملية (Hypospadius) لاحد اصدقائي وبشكل ناجح.. واما ثاني الاساتذة فهو الدكتور (طلال ناجي شوكت).. وكان يتميز برأس ضخم وشعر اشيب وشارب ابيض كث.. ومعلوماته جيدة وشاهدته يقوم يوما بفحص (علي غالب عزيز) وكان قائدا للفرقة الخامسة في ايام جمهورية تموز الاولى وهو رجل وسيم شعره اصفر خفيف ووجهه يميل الى الحمرة ويوحي مظهره بالاحترام الكبير!..

اما الاستاذ (مكي الواعظ).. فهو رجل بدين منتفخ الاوداج يعاني من ثقل بسيط في السمع ومحاضراته في فرعه جيدة وحضرنا يوما معه عملية استئصال حصاة الحالب لمريض كبير السن انتهت بفتح الامعاء (خطأ).. واخراج بعض محتوياتها على انها حصى.. اما مراقبة التلاميذ لمجرى العمليات من شرفة الصالة فلم يكن مجديا دراسيا ابدا!..

كان الفرع الخاص بجراحة العظام والكسور قائما على الدكتور (غانم عقراوي) وهو رجل متين البنيان يميل الى القصر ويلبس نظارة طبية ومحاضراته ممتازة ويحضر الى قاووش 5 مبكرا جدا وهو يلبس قميصا خفيفا وبنطلونا من السرج في عز الشتاء البارد ويفتتح يومه قائلاوهو يمازحنا (اين الزعيم سبهان ؟) ويقصد طبعا الدكتور (سبهان الخضيري) المقيم الاقدم الذي يحضر على الفور ويبدأ بتقديم الحالات المرضية وهو يسجل ملاحظات الاستاذ (عقراوي) (نعم استاذ!.. حاضراستاذ!.. تأمر استاذ!) وكنا نعرف عن الاستاذ (عقراوي) انه كان الاول على صفه لستة سنين دراسية وان اختصاصه العالي هو من انكلترا وله اهتمامات فنية وموسيقية مع ثقافة عالية بحق.. ويكاد يكون شخصية متكاملة (والكمال لله وحده)..


اما الدكتور (هادي السباك) فهو رجل بدين قصير القامة وخدين مترهلين وشعر اسود مفروق وكان اسمه قد لمع بعد ان اشترك في لجنة معالجة الزعيم (عبد الكريم قاسم) وكانت محاضراته ممتازة بعلمية واتيح لي يوما ان اشاهده بملابس العمليات وهو يثني ركبة مريض مصاب بالالتصاقات تحت تاثير التخدير و بعد نجاحه في تمزيقها حسبما صدر من صوت مسموع اوعز الى ابن المريض (ويبدو انه كان على معرفة به) باعطائه بعض مسكنات الالم لكونه سيعاني منها عند استيقاظه من المخدر..

كنت وانا انظر الى الدكتور (هادي) اذكر انه هو الذي تجرأ يوما وتمنى على الزعيم ( اثناء قيامه بمعالجته في وزارة الدفاع) ان يعفو عن الذين قاموا بالاعتداء عليه وقد وجه الزعيم نظرة حادة الى الدكتور هادي ولم يتفوه بكلمة واحدة ومعروف طبعا ماجرت تلك الكلمة من مصائب!..

ذهبنا يوما للعشاء في مطعم (تاجران) انا و(أسام البلداوي) وكانت الامتحانات على الابواب وكنا نجد صعوبة في السيطرة على المواد لكثرتها وتنوعها والحيرة بين المحاضرات والملازم المطبوعة والكتب المقررة!.. والتقينا هناك بزميلي (عدنان هاشم ياسين) و(عبد الامير الوديس) ودار الحديث عن الدروس واراد اسام ان يعرف(كعادته) ماذا يدرسان؟.. فاخبراه انها الجراحة لانهما مسيطران كما قالا!.. ولما لاحظا عليه عدم الاقتناع اقترحا عليه ان يختبرهما!.. وبعد شرود قليل وجه اليهما سؤالا عن (Manic depressive psychosis) واذا بهما يتنافسان في الرد بصيغة (انته تجاوب.. لو اني؟) وشرحا الموضوع بدقة غريبة واحدهما يكمل للاخر و(اسام) ذاهل منزعج واخيرا صرخ بهما (كافي!.. طلعتوا العشا.. زقنبوت!) وعلمت طبعا فيما بعد من (عبد الامير) انهما كانا قد راجعا ذلك الموضوع قبل دقائق من مجيئها للمطعم وبمصادفة غريبة حقا.. مكنتهما من اصابة زميلي بعسر هضم لتلك الليلة!..

مرت ايام الامتحانات المتطاولة والكثيرة حقا وانا شبه مسحور لاادي ماذاأكل او أشرب في ثمانية دروس نظرية ومثلها من العملي وأقل من الشفهي وانتهت بالنجاح ولله الحمد..

المتابعون